Uncategorized

رواية ندبات الفؤاد الفصل السابع والعشرون 27 بقلم زيزي محمد

 رواية ندبات الفؤاد الفصل السابع والعشرون 27 بقلم زيزي محمد
رواية ندبات الفؤاد الفصل السابع والعشرون 27 بقلم زيزي محمد

رواية ندبات الفؤاد الفصل السابع والعشرون 27 بقلم زيزي محمد

” لا فرار من مواجهة تُركت رهن زمن قاسي قاتل لراحتنا”
شعور قاس اجتاح صدروهم تاركًا خلفه خواء مرعب، فالأمر يشبه بمكان دافيء فجأة اقتلعت جدرانه وغزت رياح العاصفة أركانه، لم يكن هناك ساتر يحتمي به سليم بعدما تمكن الضعف منه، فكان ينتقل في إجراءات الدفن كالجسد الألي، عيونه خالية من الحياة، من الشغف، كان يتماسك بطريقة أفزعت شمس، وأقلقت والدته عليه، ولولا عناق شمس لها، لخارت فاقدة للوعي بعد تلك الصدمة الموجعة، فألقي فوق عاتق شمس المسؤولية تجاههم جميعًا.
عم الصمت المكان..جميعهم غارقون في أحزانهم، لقد أصيبت أفئدتهم بالإبتلاء، وتجرعوا من كأس الفقد والذي كان مذاقه مر وموجع.
أرجع سليم رأسه للخلف  وأغلق عيناه بإنهاك طال روحه الراكضة في سباق لا يعلم جائزته  الثمينة، حتى أنه فقد الأمل في الحصول عليها، بعدما فر حماسه منه، ولم يعد للمثابرة مكانًا داخله، لقد انتهى كل شيء كان يسعى من أجله مع موت والده، استكانت حواسه في ظل الهدوء المحاوط له ما عدا صوت والدته وهي تردف من بين شهقاتها التي مزقت قلوبهم جميعًا:
– آه يا محمد..سيبتني في لحظة، خلاص هبقا لوحدي، طب هتكلم مع مين، هعيش لمين.
ربتت شمس فوق كتفيها تحاول تهدئتها:
– اهدي يا ماما، ده أجله ولا اعتراض على قضاء الله.
وكأن الكلمات لم تخترقها كفاية، حتى صارت تهتف بحيرة:
– كان كويس، فجأة سابني ومشي، والله كان كويس.
أشعلت تلك الكلمات شرارة الغضب لدى زيدان، فانتفض فجأة كمن تذكر شيئًا لا يمكن السكوت عليه:
– لا مكنش كويس، كان جاي من برة تعبان، كان جاي من عندك أنت تعبان.
كانت أصابع الاتهام موجهه لسليم، والتي جعلت شمس تتوهج دفاعًا عن زوجها الذي في كل مرة تقع فوقه المصائب من العدم، وخرج سؤالها الشرس ترفض به ما يلوح له زيدان:
– قصدك إيه يا زيدان؟.
هنا انتبه الجميع وفتح سليم عيناه، واصطدم بأصابع زيدان نحوه، تزامنًا مع نظرات الكره والاتهام المنبثقة من عيون أخيه فأصابت قلبه بسهام حادة تنهي ما تبقى لدية من قوة كان يتشبث بها.
– قصدي إن هو قبل ما يموت بلحظة جاب اسم سليم على لسانه وكان تعبان وعينه كلها حزن.
حتى الآن لم يكن الاتهام بقول مباشر، بل كان بكلمات متلاعبة خائنة تخرج من فم زيدان المغيب عن الحياة بسبب صدمة تلقاها فجأة على يديه هزت كيانه، وهذا الأمر لم يعجب يزن فقال بصوت مبحوح حزين:
– أكيد كان عايز سليم.
– لا كان عنده، كان عايز يقولي حاجة عليه، وقلبه مستحملش، عملت في إيه، أكيد زعلته بكلامك، أكيد مستحملش قسوتك ومات…حتى أبوك مرحمتوش منك.
هتف بها زيدان بشراسة وهو ينثر الشظايا المتهالكة بروحه بقلب سليم والذي أصابه حالة من الخمول غريبة عليه يجلس هادئا يراقب وجوههم وردود أفعالهم وكأنه يشاهد فيلم سينمائي لن يفيده بشيء سوى ذكرى سوداء ستترك في روحه المظلمة.
وفي ظل كلمات زيدان القاسية، كانت ميرڤت وعائلتها تقف على أعتاب الباب المفتوح تستمع في خبث وابتسامة انتصار حلقت على محياها، دارت بوجهها نحو نهى التي كانت تقف بجرأة توجه لها نظرات الإتهام، فاقتربت منها ميرڤت بخبث شديد تهمس بجانب أذنها بحروفها السامة التي سرت في عروقها وقتلت لديها الحقيقة بل ودفنتها في بئر النسيان:
– لو عايزه تتجوزيه يبقى تحطي الجزمة في بوقك، طول ما زيدان تحت طوع سليم عمره ما يتجوزك أبدًا، لكن لو سبتيني اعمل اللي أنا عايزاه هخليه يجيلك راكع.
نكست رأسها أرضًا وهي تبتلع الحقيقة داخلها، لادراك واقع كلمات والدتها جيدًا…وجود سليم يمثل عقبة بطريق أحلامها الوردي مع زيدان.
لكزت ميرڤت ابنها والذي رفع” القطرة” عاليًا وقطر بها في عينيها ومن ثم ارتدت قناع الحزن الزائف وهي تبكي بدموع خادعة:
– يا حبيبي يا أخويا..خلاص سبتينا، مين هيسأل عليا، موته يا سليم، الله يرحمه كان قلبه حاسس أنك هتكون السبب في موته.
مجددًا تهاجمه عواصف الحياة الخادعة وتطيح به من معقل الهدوء والأمان، ليتخبط هنا وهناك منتظرًا هلاكه، ورغم ازدياد عمته بالكلمات التي أشعلت النيران في صدورهم إلا هو انطفأت شعلة الحياة بداخله وأصبح جاهزًا تمامًا للموت، طالما هو سر الهلاك لمن حوله..ولكن صوت والدته المهاجم انتشله من أعماق الاكتئاب الغارق فيه.
– اطلعي برة بيتي، انتي جاية تصطادي في الميه العكرة، مالك بابني يا ميرڤت حارقك وموتك ليه، ولا علشان هو أحسن منك ومن عيالك كلهم.
– متمناش حد من عيالي يبقى زيه يا حبيبتي، ده جاحد على عيلته، هو انتي فاكرة إن اخويا مكنش بيحكيلي عن اللي بيعمله فيه.
كانت مجرد تكهنات من خلال استماعها لكلمات زيدان وبعقلها الشيطاني حيكت القصة كما يجب، ولكن صراخ منال جعلها تتراجع للخلف بصدمة:
– سليم ده باشا عمرك ما تعرفي تجيبي زيه، امال انتي محروقة منه ليه، بطلي كدب بقا، ايه معجونة بميه شياطين، سليم عمره ما أذى ابوه، ده السند بتاعنا وابوه عايش وبعد ما مات، مش هسمحلك تيجي على ابني في وجودي، اطلعي برة.
انفجر سمير بغيظ حينما لمس الفخر والثقة من منال عكس والدته التي دائمًا تحبطه بكلماتها عن فشله، فراح يصيح بكره وغيرة:
– اهدي شوية ياحجة، هو كلامنا ده كلام ابنك كمان.
وأشار نحو زيدان الواقف بصدمة يتابع حديثهم الذي وقع فوق رأسه فجأة، كقسوة الثلج الهابط في ليالي الشتاء الباردة على إنسانٍ بلا مأوى من العواصف المحيطة به.
عضت ميرڤت فوق لحم شفتاها السفلي من الداخل بغيظ من ولدها الاحمق، وكما توقعت بالفعل بسمة منال التي اخترقت ثغرها وهي تشير نحوها باستنكار:
– شوفتي هتفضلي طول عمرك خبيثة، سمعتي كلام زيدان وجاية تعملي حوار، فاكرنا هنقف ضد كبير عيلة الشعراوي.
وبعينيها أشارت ليزن حتى يقف معها، وبالفعل تحرك نحو ميرڤت بهدوء ينافي حالة الغضب المسيطرة عليه من اتهام طال اخيه، مستغربًا حالة الهدوء التي تلبسته، ووجهه الخالي من المشاعر الحية أيقظ قلقه عليه فقال بصرامة:
– عايزه تقدمي واجب العزا في اخوكي، بيتنا مفتوح، متعودناش نطرد حد منه، لأننا ولاد أصول، لكن هتحاولي تخربي بينا، هخرب عليكي أنتي.
صاح ابراهيم بغضب:
– لا لا مبقوش الا العيال يتكلموا ولا إيه.
قبض يزن فوق ياقة قميصه بعنف مردفًا بنبرة شرسة:
– عيال مين يا جدع أنت، تحب تشوف العيل ده يقدر يعمل فيك إيه.
أنزلت ميرڤت يده وهي تقول بضيق زائف بعدما لمحت  تخبط زيدان وحيرته، وأخيرًا حققت هدفها وهذا ما تريده بالفعل:
– يلا يا ابراهيم نمشي، خلاص ما أنا اتحرمت من بيت اخويا ومش هقدر ادخله.
غادرت الشقة هي وسمير وابراهيم وتأخرت نهى قليلاً تلقي نظراتها الأخيرة عليهم قبل أن تخرج، وخاصة زيدان الذي غرق في زوبعة قاسية دخل بها بسبب تهوره وندمه البادي على وجهه.
راقب يزن خروج نهى هي الأخرى، فصاح منفعلاً بزيدان:
– ايه الجنان اللي قولته ده.
– بس يا أنت يا يزن، سيبلي اخوك المحترم اللي تقريبًا مبقاش واعي خالص وواقف بيتهم اخوه الكبير في موت أبوه، إيه يا زيدان اصحى وفوق شوف انت بتعمل إيه، أحنا منسواش حاجة من غير سليم اللي شايلنا من صغره، دي جزاته يعني.
كان الهجوم مندفع من فم منال في غضب تملك منها، وانقلب الوضع فجأة فوق زيدان فحاولت شمس تخفيف الأمر عليه قليلاً بعد أن وقف الجميع ضده:
– اهدي يا ماما أكيد زيدان اختلط عليه الأمر بس وميقصدش أكيد كلامه.
هزت منال رأسها في انفعال لتقول:
– لا يا شمس يقصد وده اللي مزعلني منه، واقف ضد اخوه لمجرد إن أبوه قال جاي من عند سليم، طب ما هو يا محترم كان واخد نهى لميرڤت، مش يمكن هي السبب في كده.
أغلق زيدان عيناه بسخط، ولم يعرف السخط مِن مَن؟، من نفسه المتهورة التي ركضت فوق سبب يلقي به فوق أعتاق سليم كي يطفئ النيران المشتعلة به بعد موت والده بين يديه، أم نفسه التي فجأة وجدت نفسها في حالة من الإستنكار لكل شيء، حتى هجوم والدته لم يفسر لِمَ أصابته الغيرة حينما وجد الجميع ضده، وهو لم يعتاد على هذا، ولوهله أحس بنفس مرارة العلقم التي كان يتذوقها سليم طيلة عمره.
فر من عيونهم المهاجمة ما عدا هو لم يرفعها بل ظل على حالة الاستكانة الغريبة عليه، وهذا ما أوجعه كثيرًا لم يحبذ أن يلعب دور الظالم أبدًا مع أخيه، لذا غادر الشقة دون أن يخرج أسفًا كان سيطفأ به لهيب الغضب المحاوط بهم.
أما سليم أخيرًا رفع عيناه وصوبها نحو والدته مستغربًا حالة الهجوم الشرس التي تلبستها من أجله، لم يعتاد على هذا الشيء من قبل، لذا لم يشعر بحلاوته أبدًا، فكانت نظراته تخبرها بسؤالاً مستنكر..” وكأنكِ تأخرتي كثيرًا يا أمي؟”، فأخفت عيناها عنه، بعدما لامس الندم ذاتها من جديد.
غادر سليم هو الأخر وصعد الدرج بنفس حالة الهدوء المسيطرة عليه، دخل شقته بخطواته الهادئة وشمس خلفه تركض لتلاحقه، ثم دخل المرحاض وأغلق الباب في وجهها، وفتح صنبور الاستحمام على اخره وتحرك أسفل المياه الغزيرة محررًا قيود عيناه في لحظة كان يتوق إليها، ومن ثم انمهرت دموعه لأول مرة منذ أن وقع فوق عاتقه المسؤولية الأزلية، بكى بصمت..بكى حزنًا لفراق أبيه المساند الوحيد له، المربت فوق جراحه دائمًا بكلماته الحنونه، بنظراته الصادقة، فراق لم ولن يعوضه أحدًا، اجتاحت مرارة الفقد جوفه، واهتز كيانه كلما تذكر وهو يقوم بغسل والده ليشيعه لمُثواه الأخير، حتى النظرة الأخيرة التي احتفظ بها غرست بعقله، تذكر رعشة يده وهو يضعه بالقبر وحده، فإختلج قلبه حزنًا وهاجت مشاعره شاعرًا بالضياع فكان حاله يشبه طفل فقد والده وشعر بقسوة اليتم لأول مرة.
جلس بحوض الاستحمام حينما خارت قواه التي كان يتمسك بها، وظل يبكي بصمت وهو يضع وجهه بين يديه، وذلك بعد شعوره بالتعب من كل شيء حوله، من عائلته، من مشاعره الحزينة المتأصلة به، من ندبات فؤاده التي يومًا سينهي حياته بيده بسببها، مازالت تتفتح جروحه، تقسو آلامه، حتى الظلام رفض تركه بل حاوطه في بقعة لا يسمع بها سوى كلمات زيدان واتهاماته البشعة بحقه، لم يقوَ على حق الدفاع عن نفسه، ولِمَ من الأساس والاتهام يأتي من أقرب الاشخاص إليه، لم يكن متوقعًا أن يمر بمرارة جديدة مغلفة بقسوة الأهل والأحباب.
انتبه لفتح الباب بمفتاح من الخارج، ثم دخلت شمس والتي يبدو سئمت من محاولاتها للدخول او خروجه هو، وحينما وقع بصرها عليه بذلك الضعف المسيطر عليه والتي أول مرة تراه هكذا، طالما كان سليم  القوي  بعينيها والذي لن يهزمه شيء او يعكر مزاجه أمر حتى لو من عائلته.
اندفعت نحو تحتضنه تحت المياه المندفعة بشدة، وحين وضع رأسه بصدرها حتى ارتفع صوت بكائه متمسكًا بها، فهي الملاذ الأخير في ظل القسوة المنبثقة من حوله.
                               ****
استيقظ سيف من نومه، محاولاً التنفس قليلاً بسبب جسد ليال الملقى فوقه، لم يعرف أن نومها عبارة عن حالة من المصارعة الحرة، أخرج خصلات شعرها من فمه باشمئزاز وهو يهمس بحنق:
– شعرك في بوقي بيعمل إيه.
بحث عن وجهها لقد اختفى كلياً بين خصلات شعرها المتناثرة فوقه وعلى الوسادة، بعد أن وضعها على الفراش بدلًا من جسده، واخيرًا تحركت عظامه بعد أن تيبست من أجلها، مفكرًا أن يضع حائلاً بينهما ساخرًا من حاله بعدما تبدل كليًا حيث كان يتخيل نومها الرومانسي وهي تدفن نفسها في أحضانه، وليس جسده يكن كالفراش لها.
جذب هاتفه ليرى الساعة بعد أن غاب عن الحياة لساعات طويلة، لقد حل المساء وهو ما زال جليس الفراش ويشعر بجسده مرهقًا، حك أنفه وهو يتابع الصور المرسلة له من اصدقائه أثناء الفرح، توسعت عيناه وهو يتابع فيديو له يرقص بالمطواة، ظهرت الابتسامة على ثغره وظل يتابع الصور والمقاطع المصورة حتى ظهر خبر وفاة والد سليم على أحدى المنصات الالكترونية..فصاح بنفعال:
– يا خبر…وأنا كنت فين!.
فتحت ليال عيناها بخوف حينما استمعت لنبرته الصادمة:
– في إيه يا سيف.
– نهض سريعًا يلتقط ثيابه المبعثرة يرتديها بعجالة، وهو يقول:
– ابو سليم مات.
– لا حول ولا قوة إلا بالله، هو أنت هتروح وتسيبني؟!
سألته باستنكار في أواخر حديثها، فرد بصرامة:
– اه طبعا لازم اروح، سليم ده أخويا اللي أمي مخلفتهوش.
وغادر حتى دون أن يودعها، فرفعت حاجبيها معًا لا تفهم سر الصداقة التي تجعله يترك زوجته ولم يمر على زواجهما سوى يوم واحد، هل صديقه أغلى منها، لدرجة أن يتركها وحيدة، لما شعرت أنها أخر اهتماماته،هل ستظل منسيه طيلة حياتها؟، وكان السبب في حالة ليال هو الوحدة التي ذاقتها منذ نعومة أظافرها، وحينما وجدت الرفيق والملاذ، رفضت التخلي عنه، فالأمر خالط لديها الأنانية ولم تعِ لحالة الوفاة التي طالت صديقه.
                                  ****
بعد مرور عدة ساعات أسفل المنزل في الحديقة الصغيرة جلس سليم بجوار سيف على أريكة قرمزية اللون تحت شجرة كبيرة.. كانت الأجواء هادئة، وحلول الليل يلهب صدر سليم بذكرياته المؤلمة وأحزانه الحالية على والده…حاول سيف التحدث معه بأي امورًا كي يخرجه من حالة الحزن المسيطرة عليه، ولكنه فشل، فبدا له كعجوز ينتظر الموت الذي رافض المجيء له من باب العناد.
– سليم أنت لازم تكون اقوى من كده علشان اخواتك.
نظر له سليم لثوان ومن بعدها تفوه بنبرة يغلب عليها الغمة:
– اخواتي مين وزيدان اتهمني إن أنا السبب في موت أبويا.
توسعت أعين سيف بصدمة وفقد القدرة على الحديث، وأي حديث قد يفيده بعد ذلك، ولكنه عاد وهتف في قوة:
– هو زيدان اتجنن ولا إيه، ازاي يقدر يقف في وشك ويقولك كده.
– عادي يا سيف زي كل مرة كان بيقف في وشي وأحس الكره من عينه، زي كل مرة أحس أن أنا وجودي محدش حبه، عارف أنا لو كنت مت مكنش هيزعل كده.
أخبره بمشاعر بسيطة كانت تتلاعب فوق أوتار تماسكه الواهن.
– لا طبعًا متقولش كده، أنت عارف المشكلة فين، إن اخوك مش مقدر حجم التضحية اللي أنت عملتها وبتعملها عشانهم، مكبرش على أنه يشكرك، شايف إن ده من واجباتك وده شيء عادي، زيدان كبر على نهج معين وفضل عليه من غير رادع له، متحطش اللوم كله عليه.
– أنا مبقتش حتى قادر ادور احط اللوم على مين، على أمي اللي عملت فيا كده من الاول، ولا على اخواتي اللي استخسروا فيا اكمل تعليمي او حتى يشكروني، ولا على ابويا اللي دايمًا كان ساكت ساكت لغاية ما زهقت من سكوته، ولا على نفسي اللي استسلمت للمكانة اللي اتحطت فيها ورفضت إن اعيش احلامي عشان هما يعيشوا مستوى زي المستوى اللي ابويا كان معودهم عليه.
كانت نبرته توضح كم الضياع الذي يشعر به، فحاول سيف أن يستدرك حجم السخط البادي عليه:
– بس يا صاحبي ده نصيبك ارضى بيه، علشان الدنيا ترضى عليك شوية، طول ما أنت عايش في الماضي عمرك ما هتبص للحاضر اللي أنت فيه، سليم أنت من انجح الناس في تجارة الدهب، مفيش حد حقق اللي انت عملته..
قاطعه سليم بحزن:
– ده اللي مفكرينه، بس سليم من جوه نفسه يرجع يعيش سنه، واحلامه، عايز يحس بحاجات اتحرم منها.
– خلاص اللي فات مات وعمره ميرجع تاني، شوف احلام جديدة تاني تحارب عشانها.
وفي لحظة ضعف منه نكس رأسه وخرجت أمنية من معقل الأمنيات التي كانت يحتفظ بها:
– نفسي اخواتي يحبوني.
توقفت الكلمات على طرف لسان سيف، وكل ما فعله هو أنه ربت فوق يد سليم والتزم الصمت التام، مقررًا أن يتحدث مع زيدان والتدخل لتقليص الفجوة بينهما، مهمة إنقاذ  صديقه من بقعة الجحيم المسيطرة عليه جعلته يخطط للقاء زيدان في أقرب وقت، لم يعد صمته مناسبًا في ظل تهور زيدان والذي جرح أخيه بسهام نارية واتهامات بشعة.
                                ***
دخل سليم شقة والديه للاطمئنان عليهم قبل أن يصعد لشقته، مر على غرفة يزن فوجدها  هادئة ويزن نائمًا محتضنًا وسادته وملامح الحزن تغزو وجهه، تنهد سليم بعمق وتمنى لو يمتلك طاقة خارقة كي يحتويه من الضياع الذي يشعر به، ولكن فاقد الشيء لا يعطيه.
أغلق الباب ببطء ثم دخل غرفة والدته فوجدها جالسة على السرير تنظر لسقف الغرفة بشرود، وعيناها لم تهدأ أبدًا بل كانت متوهجة حمراء تقطر الدموع منها بلا توقف، حمحم بصوت خشن وسألها رغم عنه، فكانت الكلمات تتسابق مع مشاعره التي تريد تقيدها:
– انتي كويسة؟!
حولت وجهها له وأشارت بالنفي بينما ملامحها على نفس الحالة، فرك وجهه بقوة محاولاً التماسك أمامها:
– حاولي تنامي وهتكوني كويسة.
أشارت له كي يجلس على الفراش دون أن تتحدث، ترك مقبض الباب على مضض فلم يكن يريد التحدث بكلمة أخرى تنفذ بها أخر طاقته، نفذ رغبتها المناقضة لصراع نفسه المُلح بالهرب بعيدًا لمكان لا يعلمه أحد.
جلس على الفراش مقابلاً لها، ولم تتحدث، بل تركت نفسها بالنظر إليه كثيرًا، كان سليم يهرب من نظراتها التي تعج بالعديد من الأحاديث والتي لم يدرك منها سوى الندم، وبعد صمت طويل قاطعته بقولها الذي تجرأ أخيرًا من قيود مخاوفها من مواجهة أجلتها كثيرًا بل أنها حاولت أن تدفنها لعدم قدرتها على سماع أي كلمات قد تفتح جراحًا تركت للزمن مهمة عالجها:
– أنا أسفة.
خرجت أنفاسه دفعة واحدة بعد أن حبست للحظات أثناء أسفها المخالط لدموع الحسرة.
– على إيه..أسفة على إيه؟!
نبرته المتسائلة لم تكن تحمل استفهام لعدم فهمه، بل للقهر الذي غاص فيه، للاستياء مشاعره من تأخيرها، من ويلات الحزن التي تأصلت به منذ أن كان مراهقًا يسعى لتحقيق حلمه، مرورًا بأمورًا لم يعرف كيف مر بها وكيف انتهت..ولكنه يعرف تمامًا الأثر الذي ترك بقلبه ندوب لن تمحى أبدًا حتى بتقديم الاعتذار!.
– على كل حاجة يا بني، أنت مكنتش تستاهل مني كده، كنت بتعامل وأنا مغيبه بجري عشان أرجع حياتي اللي باظت فجأة بعد تعب ابوك، مشوفتش الا المصلحة العامة.
صمتت لبرهة تستجمع أنفاسها وهي تخرج جميع مشاعرها:
– مشوفتش الا نفسي وأنا بتقهر من عمتك، قست قلبي وجيت عليك عشان شغل ابوك اللي وقع ومستقبل اخواتك، عشمت فيك بزيادة….
قاطعها مردفًا بنبرة يقطر منها الألم:
– عشمك كان فوق طاقتي.
– وطاقتي أنا كمان يا سليم، كل حاجة اتهدت في لحظة، فجأة لقيت نفسي بجري بين المستشفيات والدكاترة اطمن على حالة ابوك، وعمتك بتدبح فينا، بعت محلات علشان أعرف اسدد مصاريف المستشفى، المصايب كانت فوق راسي ومش عارفة اخلص منها، فكرت يابني فيك تكون السند بعد ما الدكاترة قالو بلاش ابوك يتعرض لضغط وشغل تاني.
– واخواتي مين السبب في انهم يوصلوا للمرحلة دي من ناحيتي؟!
 ألقى اللوم ناحيتها منتظرًا إجابتها، فهزت رأسها بنفي ترفض اتهامه:
– لا بلاش…بلاش تطلعني ام قاسية ووحشة اوي كده، كنت بحسها من نظراتك بس كنت بكدب نفسي.
لم يهتم لرجائها، بل زاد من عتابه وهو يقول:
– كلامك ده كان فين زمان، ليه سبتيني عمري كله بكلم في نفسي، بستنى معاملة تانية غير التجاهل اللي على طول بلاقيه منك ومنهم.
بكت بانهيار وهي تحاول التبرير لأوجاع كانت السبب بها:
– كنت فاكرة انك صغير ومكنتش مقدرة حجم مشاعرك، كنت فاكرة انه عادي احرمك من حاجة وأنت أكيد هتنساها بعدين، معرفش إن اللي حصل هيفضل…
قاطعها بشراسة:
– وحش…هيفضل وحش بيفكرني بكل نظرة خذل لقتاها منك، بكل مرة لقيتك بتقفي جنب اخواتي وأنا لا، بكل مرة كنت بشوفك تفرحي لدراستهم ونجاحهم وانا مرمي في شغل بكرهه عشان اعيشكوا في نفس المستوى اللي انتوا متعودين عليه.
هزت رأسها ترفض كلامه والذي لامس ضميرها الذي كانت تتغاضى عنه بمبررها المحكم:
– أنا كنت فاكرة إن أنا قدمتلك خدمة لما خليتك تاجر كبير والفلوس تحت ايدك.
لم يشعر بنفسه وهو يخرج إحساس كان يحاول دفنه كي لا يحطم قلبها.. بالنهاية هي والدته وهو ليس بعاق كي يحزنها.
– محدش قدملي حاجة، أنا اللي عملت نفسي بنفسي، محدش وقف جنبي، انتي كنتي بعيدة عني اوي وهتفضلي كده.
– يعني إيه هتفضل تكرهني كده؟!
عقد حاجبيه من سؤالها الخائف والمترقب، مجيبًا بسلاسة أدهشتها لصفاء قلبه الذي لا يدركه هو:
– محدش بيكره امه، وأنا عمري ما كرهتك ولا هكرهك..
صمت لبرهة يستجمع نفسه بعدما ضاعت خلف كلمات والدته المبعثرة والتي لم يدرك منها سوى الندم والاعتذار عن ماضي تأصل بروحه، ولكن لمسة يدها ليده وابتسامتها بعدما أخبرها بعدم كرهه لها، تآمرت مشاعره ضد رغبته في الصمت وتحالفت حروفه معًا فخرجت سهوًا عنه:
-بس في حواجز ما بينا كانت في ايدك زمان تشيليها، بس انتي سبتيها واهتميتي باخواتي على حسابي، مع اني أنا اللي كنت محتاجك مش هما، كنت محتاج اترمي في حضنك وتشيلي هموم الشغل والحياة عني، بس في الاخر كنتي بتحمليني مسؤوليتهم، ومحدش متحملني، ومستغربين اوي معاملتي ليكوا، وأنا اللي مستغرب منكوا اصلاً.
– عشان كده كنت بسكت مكنتش برضى اتكلم معاك، مكنتش عايزة اسمع كلامك ده ولا أحس إن مكنتش أم كويسة ليك، زي ما أنت اتحرمت من حاجات أنا كمان اتحرمت من حضنك يا بني، اللي لو طلبته أكيد هترفض.
– مش هرفض، بس مش هعرف اعوضك بحاجة، أنا مش زي زيدان ولا يزن، أنا سليم اللي طول عمره متهان عشان خاطركوا متطلبيش مني حاجة أنا مش هعرف أعملها ولو عملتها هيبقى من واجب إنك أمي.
– وأنا مش طالبة كتير يا ابني سامحني لو في قلبك حاجة من ناحيتي، العمر بيروح في لحظة وابوك راح مننا، مش عايزة أموت…
قاطعها بلهفة اجتاحت روحه، فلن يتحمل فقدانها بأي شكل كان:
– ربنا يبارك فيكي ويخليكي، كفاية كلام عشان متتعبيش، وراكي لسه زيدان ويزن محتاجينك.
– وأنت مش محتاج وجودي ولا مش فارق معاك؟!
سألته بترقب وقلبها يخفق بشدة:
– لو مش فارق معايا أكيد مكنتش هبقا قاعد بتكلم معاكي لغاية دلوقتي وأنا محتاج أنام.
هزت رأسها بيأس حينما لم تصل لنقطة حاسمة تنهي بها جراح الماضي، فشلت في إيجاد الدواء لمعالجتها، ومجددًا تترك الأمور بينهما لرهن الزمن، تاركة مشاعرهما تسبح في ذكرياتهما الأليمة، وحتى إن قدمت له مبررات الدنيا لن تكن كفيلة أمام بعض من مشاعره التي مر بها وحاول تحجيمها من أجل عائلته.
– نامي..حاولي تنامي ومتفكريش كتير، أنا فوق لو احتاجتي حاجة كلميني ومتصحيش يزن سيبه نايم.
قالها وغادر الغرفة في هدوء كما دخل، رغم الجلجلة التي أصابت مشاعرهما أثناء مواجهة كانت هادئة برغم الأحاسيس المشحونة داخل قلبيهما، هي كانت تتوق لتخلص من الندم والبعد القاسي الذي فرض نفسه بينها وبين ولدها، وهو يسعى لعدم إحياء ذكريات لا يجني منها سوى النيران التي تضرم من جديد بصدره الذي يعاني من حروق الماضي.
يتبع ……
لقراءة الفصل الثامن والعشرون : اضغط هنا
لقراءة باقى فصول الرواية : اضغط هنا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *