روايات

رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل السابع والعشرون 27 بقلم رحمة نبيل

رواية ما بين الألف وكوز الذرة الفصل السابع والعشرون 27 بقلم رحمة نبيل

رواية ما بين الألف وكوز الذرة البارت السابع والعشرون

رواية ما بين الألف وكوز الذرة الجزء السابع والعشرون

ما بين الألف وكوز الذرة

رواية ما بين الألف وكوز الذرة الحلقة السابعة والعشرون

لا أحترم إلّاكَ.❌
لا أحترم إلّا إياك.✅
قال ابن مالك:
“ولا يلي (إلّا) اختيارًا أبدا.”
يقصد الضمير المتّصل، ويجوز لدى الضرورة الشعرية فقط.
#أخطاء_شائعة
صلوا على نبي الرحمة …
______________________
استدارت الرؤوس صوب باب الغرفة في تعجب شديد وقد شعر صالح في تلك اللحظة برغبة ملحة للتخلص من عبدالجواد ومحمد وجبريل وعبد….لا عبدالله جيد، وقد تمت تربيته بشكل غير مفهوم حتى الآن له، لكنه حقًا سأم سكان هذا المنزل، وبالطبع إن اقترح عليهم رغبته في الخروج مع شقيقتهم لأي مكان لن يجد سوى رأسه تتدحرج أمامه، حتى وإن أخبر أحدهم بمرافقتهم .
كان عبدالجواد يقف ببرود أمام صالح يضع يديه في جيب بنطاله، ليس وكأن صالح هو من جاءه يطالبه بخدمة وهو يقف بكل كبرياء يستمع له ليرى إن كان سيقبل أم لا .
” ها قولت ايه ؟؟”
زفر صالح بصوت مرتفع، يحدج رانيا بنظرات حانقة وكأنه يخبرها ( كي لا تغضبي إن انتهى بي الحال سجينًا بسبب قتلهم )
” نعم هقول ايه يعني ؟؟ ربنا يخلصني منكم على خير، عايز ايه مني ؟؟”
وتجاهل عبدالجواد كل جملته وانتبه للاخيرة والتي تخصه في كل ذلك :
” مش حاجة كبيرة يعني، اتصال صغير بالنسخة المستفزة الثقيلة بتاعتك وخليه يعملي مصلحة ”
ارتسمت بسمة جانبية مغتاظة على فمه :
” اولا اخويا في العادة مش ثقيل ولا مستفز، ولو كان معاك كده، فده معناه انك على القايمة السودة بتاعته، ولو أنت كده فعلا، فأنسى أنه يعمل ليك أي مصلحة ولو عبرت بلاد وبحار”
نعم هذا ما توقعه، اعتراضات و محاولات للتملص من مساعدته، حسنًا هو جهّز لكل ذلك بالفعل :
” تمام، أنا ممكن انفذلك أي طلب تحبه مقابل تعملي اللي أنا عايزه ”
اتسعت عين صالح بقوة وقد شعر فجأة أنه نال لتوه جائزته الكبرى، الله سمع دعاءه منذ ثواني وأرسل له عبدالجواد لتحقيق أمنيته، وهو سيستغل كل ذلك اسوء استغلال .
ابتسم يقول بجدية :
” امممم ممكن افكر، اصل صلاح حبيبي مش بيرفض ليا طلب، بس يا ترى أنت ممكن تنفذ اللي أنا عايزه ؟؟”
” عارف أنك عايز حاجة هتخلي محمد يخلص عليا قبلك، لكن مش مشكلة اتنيل قول خليني اشوف هعرف ولا لا ”
ابتسم صالح بسمة واسعة يضع قدم أعلى الأخرى وقد أصبح في موضع قوة، وكل ذلك لأجل صلاح الذي لأول مرة يستشعر لذة شهرته ويتربح من خلف اسمه اللامع :
” عايز أخد رانيا وأخرج بعيد عن البيت ده ”
اتسعت عين رانيا بصدمة تهمس بصوت منخفض وصل لصالح :
” مش اوي كده يا صالح، متسوقش فيها، أنت بتقول ايه ؟!”
ابتسم صالح بسمة جانبية يرى ملامح عبدالجواد التي احتدت فجأة وقال :
” سيبنا نحلم شوية، بعدين اخوكِ في وضع لا يسمح ليه أنه يناقش، اكيد بيعمل ده كله عشان البنت اللي كانت معاكِ ساعة المؤتمر ”
صمت ثم ابتسم بسمة خبيثة يقول :
” وأنتِ متعرفيش حال الرجالة المساكين، لما يتزنقوا بسبب واحدة في طلب، بيكون عندهم استعداد يعملوا المستحيل عشانها، اكيد مش هتيجي على طلبي الصغير ده ويعطل ”
ورانيا لم تقتنع بما قال وهي ترى ملامح عبدالجواد قد بدأت تحتد وتشتد حتى شعرت به سينفجر، لكن فجأة بصق عبدالجواد كلمته بغيظ شديد :
” موافق ”
اتسعت عينه رانيا بصدمة كبيرة، بينما صالح ابتسم بسمة واسعة بدأت تتلاشى حينما سمع تكملة جملة عبدالجواد :
” لكن أنا هكون موجود معاكم ”
هز صالح رأسه بعدم اهتمام، هو في الأساس لم يكن سيرافقها وحدها، واحد افضل من أربعة بالطبع، سيأخذها ويتحدث معها بعيدًا عن ذلك المنزل الذي يشعره كما لو كان في زيارة لأحد المساجين تحت أعين حراس السجن .
” تمام، قولي بقى عايز ايه من صلاح عشان نشوف الموضوع ”
صمت عبدالجواد هو حقيقة لا يدرك ما يريد بالتحديد، هل يجعله يرسل له مقطعًا مصورًا خصيصًا لمروة، أم ماذا ؟؟
وأثناء تفكيره انتبه لصالح فمال برأسه جانبًا يفكر أن صالح طلب ما هو مستحيلًا له، إذن هو لن يتهاون في طلب ما يريد مقابل تضحيته العظيمة تلك :
” عايز اخوك يجي بنفسه هنا يوقع لمروة على كل الكتب بتاعتها ويجاوب على كل اللي هي حابة تسأله عنه ”
رفع صالح حاجبه ساخرًا من حديثه ليجيبه متشنجًا :
” مش عايزني ألفه في علبة هدايا وأحط على رقبته فيونكه؟؟!”
” لا يا حبيبي كفاية تجيبه هنا يعمل اللي قولت عليه، يا كده، يا أنسى حوار تخرج مع رانيا ”
نظر صالح لرانيا حانقًا :
” والله انا كنت خطفتك واتجوزتك غصب واستحملت كرهك وزعيقك اهون من كل ده، ايه الذل ده ؟!”
ضحكت رانيا بصوت مرتفع، تشفق عليه في بعض الاحيان، والبعض الآخر تشعر أنه بالفعل يستحق له ما يحدث :
” معلش يا صالح ساعده الله يكرمك، حتى لو مش هتخرج معايا ساعده واكسب ثواب الولد بائس ”
أطلق صالح صوتًا حانقًا، وقد علىٰ الاستنكار ملامحه :
” حتى لو مش ايه ياختي ؟؟ هو اخواتك دول يتعمل معاهم حاجة لله ابدا ؟؟ ده عايزني اجيبله صلاح اسكندرية، هو فاضي ليا ولا ليهم، الولد يا حبة عيني ام سعيد مشرباه المر في كاسات ”
صمت يتنفس بصوت مرتفع، ثم نظر صوب عبدالجواد الذي كان يراقبه بملامح عابثة وخبث واضح يضم ذراعيه نحو صدره، وقد قرر صالح أن يحاول محاولة، هو لن يخسر شيئًا ..
أخرج هاتفه يتحرك من مقعده صوب النافذة واضعًا الهاتف أعلى أذنه ينتظر ردًا من أخيه، وهو يدعو الله أن يقبل، هو لن يضغط عليه ليحضر فهو يدرك أن مصائب ( أم سعيد القادرة) تستهلك كامل طاقته.
سيحاول فقط؛ كي لا يظن عبدالجواد أنه لا يريد المساعدة، حسنًا هو بالفعل لا يريد، لكنه فقط يفعل ذلك لأجل رانيا التي ترجته، هي تستحق كل شيء وليس فقط مجرد محاولة صغيرة لإقناع شقيقه بشيء .
_______________________
وقبل ذلك بساعة تقريبًا عند صلاح .
كان يراقب ملامح ميمو التي استحالت للسواد وقد بدأت نظراتها تصبح أكثر شراسة تنظر له تنتظر رده فيما عرضت عليه، وهو رمقها يدرك أن سؤالها ليس بالبرئ، حسنًا لا شيء يتعلق بميمو قد يصنفه بريئًا عدا اسمها وملامحها …
اقترب منها خطوات يجاري خبثها بخبث آخر:
” عملتيه ازاي يا ترى ؟؟ ”
اتسعت بسمة ميمو أكثر تميل عليه قليلًا تهمس بصوت لا يصل سوى لغيره وبنبرة خطيرة قالت :
” غليت مايه وصبيتها على كوباية فيها نسكافيه وسكر”
صمتت ثم أكملت بنبرة أكثر خطورة :
” ومن غير لبن حتى ”
ارتفع حاجب صلاح يرمقها باستنكار شديد وهي أطلقت ضحكات مرتفعة على ملامحه التي زينتها خيبة الأمل، حركت رأسها تقول :
” ايه عندك طريقة احسن ؟؟”
نفخ صلاح بسخرية يتحرك صوب سور الشرفة يستند عليه وهو ينظر للخارج يقول بصوت ماكر :
” فكرتك ضفتي عليها حاجة تحسن من طعمها ”
” لا لا يا لذوذ أنت اذكى من كده، فكرك أنا شخص سييء لدرجة أحط حاجة زي دي لراجل في عمر جدو ؟؟”
صمتت، ثم حركت كتفيها للأعلى تقول ببساطة شديدة :
” أيوة أنا ممكن اعمل كده، بس جاد يستحق حاجة احسن من كده، مينفعش يموت بالبساطة دي ”
نظرت له، ثم مالت مجددًا تهمس بصوت منخفض :
” بس ده ميمنعش إني ضفت حاجة صغيرة كده، لمستي السحرية اللي خلت جاد يحلق في السماء، يحلق بجد مش تعبير مجازي ”
شعر صلاح بقلبه يتحفز وملامحه تترقب لما ستقول وميمو، ارتسم الشر أعلى وجهها تقول وبسمتها لم تزل عن وجهها :
” الاسوء من الموت يا لذوذ، هو انتظار الموت”
ابتعدت عنه ترى ملامحه قد امتلئت بالفضول حتى أنه كاد يقتحم عقلها ليعلم ما تفكر به، وهي ابتسمت ولم تطل عليه تقول :
” تحب تعرف رأي جاد في النسكافيه كان ايه ؟؟”
نظر لها بترقب لتقول هي مبتسمة :
” ملحقش يقول للاسف ”
ومن بعد تلك الكلمات شردت ميمو فيما حدث ذلك اليوم، وهي تتحدث لصلاح بكل ما تتذكره، يوم لن تنساه مهما مر عليها، يوم تخلصت من جاد وكل شروره، يوم انتقمت لعائلتها وزينب ولنفسها وسعيد ونيرمينا وكل من خسر حياته ورحل، أو من خسر حياته ولم يرحل بعد ..
كانت ميمو ترتدي فستانًا اسودًا، تحمل صينية عليها كوب من ذلك المشروب الذي يفضله جاد بالإضافة لكوب ماء، وضعت المشروب أعلى الطاولة التي يجلس جوارها جاد، ثم تحركت خلف المقعد الخاص به تميل عليه وهي تهمس بنبرة مثيرة :
” عملتلك النسكافيه زي ما بتحبه يا جاد، وبايدي ”
ابتسم جاد يستدير لها بنصف جسده العلوي، ويقبلها أعلى وجنتها قبلة صغيرة، ثم رفع كفها عن كتفه يقبله بحب :
” تسلم ايدك يا ميمو، احسن حد يعملي نسكافيه يظبط دماغي ”
سحبت ميمو كفها ببطء شديد من بين يديه، ثم تحركت حركات مغوية مقصودة صوب المقعد الذي يقابل جاد تجلس عليه بكل هدوء وكبرياء واضعة قدم فوق الأخرى تراقبه يرتشف من كوب المشروب الخاص به بتلذذ شديد .
ابتسمت له بسمة لطيفة كعادتها، تطرح سؤالها المعتاد، لكن تلك المرة كانت مختلفة عن كل مرة :
” إيه رأيك في النسكافيه يا جاد ؟؟ عجبك ؟؟”
نظر لها جاد ثواني، ثم ارتشف رشفة إضافية، وبعدها حاول أن يستكشف ما يرتشف :
” هو حلو يا ميمو كالعادة بس …مش عارفة حاسس فيه حاجة غريبة، مش فاهم ايه الطعم ده ؟!”
هزت ميمو رأسها ترتاح في مقعدها وقد آن لها أن تتسيد هي الموقف، خمس سنوات مرت بهم كالجحيم، خمس سنوات استنزفوا شبابها وحياتها بالكامل، صبرت كي تصل لتلك اللحظة دون خطأ واحد، تقربت من جاد وتشربت منه نفوذًا وسلطة، اخذت من أمواله ما استخدمته لتدميره، هو أخبرها ذات يوم أن الأموال تفتح الأبواب المغلقة، وهي كتلميذة نجيبة سارت خلف نصيحته، وجمعت كل ما وجدت من أموال..
وقد كان محقًا فتلك الاموال هي التي جعلتها تشتري رجال سعيد وتجعله يخسر الصفقة التي فقد بها أموال والده، وهي نفسها التي جعلتها تتخلص منه وتسجنه ومرات وتخرجه مجددًا، وهي أيضًا ما جعلت جميع رجال جاد يصبحون رجالها هي، السلطة أمر ممتع للغاية وهي استطاعت أن تتمتع بكافة امتيازات تلك السلطة التي منحها لها جاد بكل غباء .
يالروعة الأموال حينما تستخدم بالشكل الصحيح، أو ربما بالشكل الخاطئ …
” اممم أصل أنا غيرت النوع يا جاد، قولت هيعجبك، بس خلاص طالما معجبكش يبقى آخر مرة هتشربه ”
اومأ لها جاد يضع الكوب بعدما انتهى منه، ثم ارتشف بعض المياه يقول بجدية مزيحًا الاوراق جانبًا يتحرك صوبها بخبث :
” يا حياتي طالما من ايدك اشربه حتى لو سـم.”
أطلقت ميمو ضحكات مرتفعة :
” لا لا يا جاد بعد الشر عليك يا حبيبي، سم ايه بس، أنت قد السم ”
ابتسم لها بسمة خبيثة وهو يدنو منها :
” ابقى قده عشان خاطرك يـ …”
وفجأة توقف عن الحديث وتوقف عن السير يشعر بشيء غريب يحدث له، نظر لميمو التي كانت ما تزال على جلستها، ظهرها مستقيم، واضعة قدم فوق الآخر، تلك الجلسة التي تدربت عليها مئات المرات لتجلسها حين مشاهدتها إياه يغادر الحياة، الأمر يستحق ..
” ايه …ايه اللي ..”
صمت، ثم سقط ارضًا يتأوه بقوة شديد وقد شعر فجأة بوجود العديد من السكاكين تقطع بامعائه، نظر لها يتأوه بقوة :
” هو فيه ايه ؟؟ أنا…ااااه، بطني، بطني بتتقطع ”
ابتسمت ميمو ولم تُحرك ساكنًا تراقبه باستمتاع شديد :
” النسكافيه الجديد شكله كان تقيل على معدتك شوية يا جاد”
رفع جاد عيونه لها يصرخ بتوجع وصوته قد هز جدران المنزل :
” نسكافيه ايه ؟؟ أنا … أنا بموت مش قادر ”
تأتأت ميمو باستنكار :
” ليه بتقول كده يا جاد، كل ده يعني عشان كوباية نسكافيه ؟؟ ما أنت على طول بـ ”
صمتت فجأة تطلق شهقة مرتفعة تلعب على أوتار خوف جاد، ذلك العجوز أكثر رجال العالم رعبًا وحرصًا على صحته، كان مهووسًا بها طوال الوقت وهي ستلعب على تلك النقطة جيدًا :
” يكونش ده من الـ ”
صمتت، بينما جاد بدأ يتلوى ارضًا ويصرخ بقوة وقد بدأ صوته يرن صداه في المنزل، واخيرًا استقبلت جدران المنزل صرخات غير صرخاتها هي أو زينب أو سعيد، صرخات جديدة لأول مرة تعلو متأوه .
سقطت دموع جاد وهو يعض شفتيه بقوة حتى كادت تنقطع بين اسنانه، يتكوم كالجنين يصرخ بها :
” أنتِ… أنتِ حطيتي ايه ؟؟ عملتي ايه ؟؟”
كانت ميمو تراقبه من علياها، تستمتع بتألمه، تراه يرتشف من نفس كأسه الذي كان يجبرها على تجرعه يوميًا .
” يعني حبيت ابتكر شوية وحطيت شوية سم صغيرين ”
اتسعت عين جاد وقد بدأت معدته تتلوى وجعًا ويصرخ بقوة وجنون يشعر بروحه تخرج من جسده، كان يزحف نحوها صارخًا، وهي فقط رسمت ملامح بائسة أعلى وجهها تدعي حزنًا وهميًا :
” كده يا جاد؟! مش أنت اللي دايمًا تقولي حتى لو سم اشربه من ايدك يا ميمو ؟! ولا أنت كنت بتقول كلام وبس؟؟ بتضحك عليا ؟؟”
ازداد احمرار وجه جاد وهو يضغط على أسنانه حتى كادت عيناه تخرجان من محاجرهما، يطلق سبابًا عالية ولعنات تجاهلتها ميمو :
” متخافش، أنا مكترتش، هما نقطة او اتنين، أو …تصدق مش فاكرة حطيت قد ايه ؟؟ لحظة هشوف ”
وسريعًا تحركت من أمامه خارج الغرفة تهبط الدرج صوب المطبخ تنتزع حقيبه من أحد الإدراج تستلذ بهدوء المنزل إلا من صرخات جاد، توقيت ممتاز، سعيد في سفره ونيرمينا ترافقه، وجاد العزيز أخلى المنزل كي يقضي معها ليلة لا تنسى، وهي لم ترد أن تخيب آماله وجعلت ليلته لا تنسى بالفعل .
دخلت ميمو الغرفة لترى جاد يحاول التقيأ بقوة وقد بدأ جسده يشحب ويرتجف، وهي أخرجت زجاجة صغيرة من الحقيبة تقول بجدية :
” تعالى نشوف حطيت كام نقطة ”
حركت الزجاجة لتتعجب خفتها، فتحت الغطاء تنظر داخلها، ثم قلبتها لترى أنها فارغة تمامًا، رسمت ملامح الاسف والصدمة بمهارة على وجهها :
” اوبس، الظاهر كده محستش بنفسي وأنا بعمل النسكافيه، بس متخافش يا جاد ياقلبي أنا خليت اللي عمل السم ده يعملك مصل عشان تبقى كويس بص اهو معايا ”
أنهت حديثها تخرج زجاجة صغيرة بها سائل احمر اللون تحركها في الهواء وعين جاد ثبتت عليها يرفع يديه بصعوبة ليمسك منها الزجاجة، يراقب ترياق الحياة يلوح أمامه، فرصته للعيش في زجاجة بين أنامل من سلبها كل فرص العيش .
ابتسمت ميمو ترى عينه تكاد تخرج :
” عايزها ؟؟”
نظر لها جاد برجاء يحاول أن يتوسلها :
” ميمو أنا .. أنا آسف اديني الازازة، وأنا اوعدك هسيبك حرة، هعملك اللي عايزاه، مش هبلغ البوليس ولا هعمل حاجة، بس اديني الازازة ”
بكى بقوة يضرب الأرض بجنون :
” اديني الازازة ”
تحركت ميمو صوبه في نية منه لإعطاءه ما يريد وقد اكتفت من تلك اللعبة، لكن فجأة تركت الزجاجة تسقط ارضًا بقوة، ثم دهستها بحذائها، تراقب صدمتها حينما رأى فرصة الحياة تُسلب منه..
تذيقه نفس ما اذاقه لها، تلتهم النظرات المصعوقة بنهم شديد ..
” سوري يا جاد ضاعت مني، بس متقلقش أنا معايا واحدة تانية ”
وبالفعل أخرجت الثانية ليختض جسد جاد بقوة ويزحف نحوها بسرعة كبيرة يصرخ ويبكي :
” اديني يا ميمو، اديني الازازة دي ”
لكن ميمو وللمرة الثانية تترك الزجاجة لتتحططم أسفل اقدامها، وتراقب نظرات اليأس التي اصابته، نفس نظراتها قبل سنوات حينما أدركت أنه سلبها كل ما قد تستند عليه يومًا، تذيقه نفس الكأس وترى ملامح الذعر التي ارتسمت على وجهه، تمامًا كما حدث معها قديمًا .
” يا خبر دي اتكسرت هي التانية ”
سقطت رأس جاد ارضًا وهو يبكي بصوت مرتفع صارخًا ولاعنًا :
” يا زبالة يا حيوانة، نضفتك ولميتك من الحواري، أنتِ اخرك الزبالة، يا ريتني كنت سيبتك لكل اللي طلبك، كنت كسرتك زي ما كسرت زينب يا حيوانة، بعد كل اللي عملته عشانك تعملي فيا كده ”
ابتسمت ميمو بسمة مرعبة تقول بصوت حاقد كاره :
” قليلة الأصل بقى هنقول ايه، طالعة ليك يا جاد ”
انحنت تجلس القرفصاء تراقب ملامح اليأس قد استولت عليه وقد بدأ تأوه يزيد، نظرت لساعة يدها تقول :
” ايه مالك يا جاد تعبت ولا ايه ؟؟”
بكى جاد بقوة ألمًا وخوفًا يترجاها ويتوسلها :
” ارجوكِ يا ميمو، ابوس رجلك ارحميني، هموت مش قادر، هموت ”
قالت ميمو بتعجب شديد :
” ايه يا جاد ده أنت مكملتش عشر دقايق يا اخي ”
مالت أكثر تهمس بنبرة مرعبة :
” تخيل اللي مقدرتش تعيشه عشر دقايق أنا عشته خمس سنين، شعور وحش ها ؟؟ ”
نظر لها جاد وقد بدأ يفقد أنفاسه من البكاء والخوف، ارتفع الادرينالين في جسده بقوة وضرباته زادت وكذلك الانقباضات وهي تراقب كل ذلك تهمس بهدوء ترى الحياة تنسحب منه ببطء بسبب زيادة الخوف :
” تفتكر باقي كام ثانية وتودع يا جاد ؟؟”
لكن جاد في تلك اللحظة كان لا يرى سوى السواد، سواد يقترب منه، وقد تباطئت دقات قلبه بقوة شديد جعلته يفقد الوعي فجأة لتقف ميمو تراقبه من علياها وقالت بتعجب شديد :
” يااه هي الاعشاب تعمل ده كله ؟! العطار قالي آخرها مغص ووجع كبير مش اكتر ”
ابتسمت ترى فقدانه الوعي جراء نوبة رعب أدت لارتفاع الادرينالين وزيادة ضربات القلب وانقباضاته، ومن ثم تباطؤ ضربات القلب بشكل حاد وهبوط في الدورة الدموية واخيرًا فقدان وعي و….
حسنًا هذه معلومات بحثت عنها، استطاعت أن تلعب على عنصر الخوف الذي يشغل حياة شخص مهووس بصحته كجاد .
انتهت ميمو مما تقول لترى ملامح الصدمة قد علت وجه صلاح، تلك الفتاة مرعبة، مرعبة بشكل اخافه هو شخصيًا، ابتسمت ميمو وهي تقول :
” وبس يا سيدي أنا كأي زوجة مطيعة اتصلت بالاسعاف اللي جه اخدوه، واعلنوا الوفاة بسبب توقف مفاجئ في ضربات القلب وهبوط حاد في الدورة الدموية ”
صمتت ثم قالت :
” وده حصل طبعًا بسبب الاعشاب اللي كان جاد بيشربها على الفاضي والمليان عشان صحته طبعًا ورجالته شهدوا أنه كان بيبعتهم يشتروا ليه الاعشاب مخصوص، بس هو زود فيها والطب الشرعي اثبت كده، أنا مليش دعوة ”
صمتت ثم قالت تدعي المسكنة :
” أنا ست مكسورة الجناح، اترملت في عز شبابها ”
أنهت حديثها بغمزة جعلت صلاح يتراجع بعيدًا عنها، وهي أطلقت ضحكات عالية تقول كمركة كتفيها بهدوء :
” الموضوع في غاية البساطة، عايز بس صبر وهدوء وتخطيط، خوف جاد ساعدني، أنا مقتلتوش، خوفه اللي قتله، أنا بس كنت بهدده، والاعشاب دي كانت اعشاب بتعمل مغص ووجع في البطن مش بتموت اساسا، بس نقول ايه مكتوبة ليه ”
تنفس صلاح بقوة يقول :
” أنتِ واحدة …قادرة اوي ”
ابتسمت له تقول بهدوء وهي تميل برأسها في براءة :
” والله كنت طيبة زمان ”
وقبل أن يسخر منها صلاح استمع الاثنان لصوت سعيد المرتفع وهو يصرخ في الهاتف :
” امتى حصل وازاي ؟؟ ”
خرجت ميمو بسرعة كبيرة له والرعب قد ملء خلجاتها، ليس وكأنها هي نفسها المرأة التي كانت تصف كفاحها منذ ثواني .
” حصل ايه يا سعيد ؟؟”
تحدث سعيد في الهاتف منهيًا الحوار :
” طب اقفل دلوقتي ”
نظر صوب ميمو يتنهد بصوت مسموع :
” القصر ولع، غانم بدأ بدري …”
_______________________
كان يقف أمام الفراش الخاص بها يراقبها تغوص في نوم عميق، مشهد أعاد له ليلة عقد قرآنه، تلك الفتاة تستغل أي فرصة يكون جوارها لتسقط في نوم هاربة منه، لكن تلك المرة لن يسمح لها.
عاد رائد للخلف وفي نيته أن يقفز على الفراش ويوقظها بصوت مرتفع، لكن فجأة وقبل أن يأخذ خطوته الأولى توقف ينظر لها بتردد، أشفق أن تستيقظ مفزوعة أو يخيفها .
ابتلع ريقه يقترب منها بخطوات بطيئة، ثم جلس على الفراش جوارها يراقب ملامحها الحبيبة، وفجأة ابتسم بسمة واسعة وقد أدرك كيف يجبرها على الاستيقاظ.
مال رائد بسرعة كبيرة يقتنص من وجنتها قبلة، ثم ابتعد عنها يراقب ملامحها التي لم تتغير، كما لو أن ذبابة فقط عبرت من جوارها .
ابتسم بسخرية :
” كده هننتقل للمرحلة التالية ”
اقترب أكثر منها يهمس بصوت منخفض :
” تسبيح أنتِ صاحية ؟!”
ولم يجد منها ردًا ليتمادى أكثر مستمتعًا بكل لحظة جوارها :
” على فكرة لو مصحتيش أنا هعمل اللي نفسي فيه من زمان ”
استدارت فجأة تسبيح صوبه ليصبح وجهها أمامه، كتم هو ضحكة صاخبة كادت تفلت من فمه، يقول بصوت خافت :
” اعتبر دي موافقة ؟؟”
وتسبيح لم يصدر منها حركة إضافية على الحركة السابقة، ليميل رائد صوبها يهمس بصوت منخفض :
” أنا بلغتك عشان متقوليش اني بستغلك ”
وفجأة مال بقوة صوبها، لكن تسبيح كان اللاوعي عندها متيقظ بشكل كبير، لتشعر بأن هناك ظل يقترب منها، فتحت عيونها بقوة لتبصر وجه رائد على بُعد صغير منها :
” أنت بتعمل ايه ؟؟”
كان صوتها ناعسًا غير مدركة لما يحدث، ورائد أجاب ببساطة :
” كنت بستغل نوم ”
عادت تسبيح للخلف ببطء شديد تحاول أن تدرك ما يحدث، وفجأة انتفضت عن الفراش بقوة أدت لانخفاض المفرش عنها واظهار الثياب المنزلية التي ترتديها.
تحركت عين رائد عليها وقد بدأت تتسع بشكل أثار انتباه تسبيح، هبطت بعيونها على جسدها لتشهق بصوت مرتفع جعل رائد يقول سريعًا :
” أنا جوزك والله ”
لكن تسبيح لم تدع له الفرصة ليستفيض في التحدث معها وهي بهذه الهيئة، ركضت بسرعة خارج الغرفة تبحث عن المرحاض دون أن تميز، ورائد متعجب أنها فعلت كل ذلك لأنه رآها بعباءة منزلية دون أكمام، بل هو بالأحرى متعجب لأنه هو من تصنم أمامها وهي بهذه الهيئة .
مسح وجهه بحنق شديد وهو يلقي بجسده على الفراش يقول معترضًا على كل ذلك :
” طب على فكرة بقى العباية حلوة وأنتِ زي القمر فيها و لو مكنتيش صحيتي أنا كنت هـ..”
توقف عن الحديث حينما سمع صوت رنين الهاتف الخاص بتسبيح، نظر له يعلو الطاولة ليناديها بصوت مرتفع :
” تسبيح تليفونك ”
لكن لم تجب عليه بشيء، ربما لبُعد المرحاض عنه، امسك هو الهاتف مدركًا أن من يتصل لن يكون سوى والده أو والدته، فمن غيرهم سيتحدث لها إن كان هو معها، وقد صدق حدسه ليرى اسم والدته ينير شاشة الهاتف .
نظر للباب وهو يتحرك له ينادي بصوت مرتفع :
” تسبيح امي بترن عليكِ ”
كانت تسبيح تقف داخل المرحاض تشعر بمدى غبائها، هي ركضت لهنا، والآن ماذا ؟؟ هي حتى لم تأخذ ثياب ساترة معها .
ابتلعت ريقها تحاول أن تتحدث :
” رد يا رائد عليها معلش ”
هز رائد رأسه واجاب بهدوء بعد أخذ أذنها، لا يحب أن يكون متطفلًا عليها حتى لو كان المتصل والدته .
اندمج هو في الحديث مع والدته، وتسبيح استغلت ذلك لتتحرك داخل الغرفة تراه يعطيها ظهره ويتحدث لها .
اقتربت من الخزانة تكتم صوت تنفسها بصعوبة، تفتح باب الخزانة، ثم التقطت منه قطع الثياب التي تجتاجها، لكن فجأة استدار لها رائد يقول ساخرًا :
” لا ازاي بقى يا امي، هو فيه زي تسبيح ودلع تسبيح ؟! ده أنا من كتر الدلع قربت ابوظ ومحدش يعرف يلمني تاني ”
توقفت تسبيح متسعة العينين ترفع الثياب أمام جسدها وهو يرفع لها حاجبه ساخرًا مما تفعل :
” تمام أنا أول ما تخرج من الحمام هخليها تكلمك ”
اغلق الهاتف ينظر لها بحنق :
” مكانتش عباية يا تسبيح أمال لو فستان قصير ولا حاجة مش تمام ؟!”
وكم ود لو يوجه هذا السؤال لنفسه، ماذا إن كان الأمر كما يقول هو ؟؟
فجأة شعر باهتزاز الهاتف بين كفه ليمده صوب تسبيح يقول بحنق :
” خدي يا ختي ردي على امي، والله حاسس أنها خايفة عليكِ مني ولا كأني ها….”
توقف عن الحديث حينما وجد أن المتصل ليس والدته، بل رقم غريب وقد ظهرت هويته على تطبيق الاتصال باسم رجل جعله يرفع حاجبه متعجبًا، يرفع الهاتف في وجه تسبيح يتساءل بهدوء :
” تعرفي الرقم ده يا تسبيح ؟؟”
نظرت تسبيح للرقم بعدم فهم :
” لا أنا معطتش رقمي لحد، كل اللي اعرفهم مسجلة رقمهم ”
نظر لها بهدوء قبل أن يفتح الاتصال ويضع الهاتف أعلى أذنه دون التحدث بكلمة، حتى إذا كانت فتاة لا يفزعها، لكن خابت آماله وسمع صوتًا ذكوريًا يتحدث بنبرة رخيمة :
” الو…تسبيح معايا ؟؟”
رفع رائد عيونه لتسبيح التي نست هيئتها وتابعت ما يحدث بفضول شديد، وهو تابع الانصات لذلك الصوت الذي أكمل :
” الو يا تسبيح، أنتِ معايا ؟؟ معلش اتصلت بيكِ بس مقدرتش امسك نفسي من وقت ما عطتيني رقمك امبارح”
ابتسم رائد بسمة صغيرة وهو يرى نظرات تسبيح له بأعين فضولية، ليداعب خصلات شعرها يشير لها بالتحرك يكتم صوته عن المتصل :
” روحي البسي يا توتا عشان هنخرج ”
نظرت تسبيح له ثم للهاتف، لكنه ابتسم يشير لها بالتحرك :
” يلا عشان منتأخرش ”
تحركت تسبيح بعيدًا عنه بريبة وهو اغلق المكالمة بهدوء، ثم فتح الهاتف والذي كانت تترك تسبيح دون كلمة مرور أو شيء قد يحميه من أي تطفل .
تحرك إصبعه يبحث عن ذلك الرقم وأرسله لنفسه، قبل أن ينتبه أن تطبيق الرسائل WhatsApp به رسالة من نفس الرقم .
فتح الرسالة لتتسع بسمة مريبة أعلى شفتيه، بلل شفتيه يأخذ لقطة شاشة للرسالة، ثم خرج من التطبيق بأكمله بعد حذف كامل المحادثة وحظر ذلك الرقم واغلق الهاتف ….
_____________________
اغلق الهاتف بعد حديثه القصير مع صلاح ليجد أنه مشغول بشكل يمنعه حتى من الرد عليه، زفر بحنق، ثم استدار صوب عبدالجواد الذي كان ينتظر منه أي رد حتى يطمئن منه أنه سيعيد المياه لمجاريها بينه وبين مروة .
لكن ملامح صالح أخبرته عكس ذلك، وهو بنفسه قال :
” صلاح مشغول وعنده مشاكل كتير ومش هيقدر يكون موجود، فلو تحب ممكن تستنى أما يفوق وأقنعه يجي، أو يوم الخطوبة حتى ”
رفع عبدالجواد حاجبه وقال بجدية محركًا كتفه لأعلى وأسفل :
” تمام يبقى خروجتك كمان لما أخوك يفوق ويجي أو يوم الخطوبة حتى ”
ختم عبدالجواد حديثه يتحرك صوب الخارج تاركًا صالح يرمق أثره بحنق شديد، يتحرك صوب رانيا التي نظرت له باعتذار :
” معلش يا صالح عارفة أنك قربت خلاص تجيب اخرك منهم بس …”
قاطعها صالح بحنق شديد :
” قربت ؟؟ يا رانيا ده انا جبت اخري وخلص ورحت جبت آخر تاني، أنا خلاص هطق من اخوتك دول، ايه مفيش حد عنده اخت بنت غيرهم ؟؟ يا ستار يارب ”
زفر لتبتسم هي عليه، وقد انتبه هو على بسمتها تلك ليقول حانقًا :
” شوفت على فكرة، أنتِ مبسوطة صح ؟؟ حاسك مبسوطة فيا ”
تركت رانيا لضحكاتها العنان كي يرن صداها في أرجاء الغرفة مثيرة بذلك كامل استفزاز صالح الذي زفر اكثر وأكثر..
” معلش والله يا صالح، بس حواراتك مع اخواتي مضحكة”
” والله أنتِ وأخواتك عايزين يتولع فيكم بجاز، ده ربنا يعينه عم رؤوف عليكم، الراجل يا عيني من كتر ما هو يأس منكم بقى يواجه الحياة بالجرنال بتاعه، أي مشكلة بيديها جرنال، وهو هو نفس الجرنال مش بيتغير ”
ازدادت ضحكات رانيا أكثر وأكثر وقد أحسن صالح وصف والدها، حاولت التوقف عن الضحك، لكن لم تستطع.
وفي الحقيقة صالح كان شاكرًا لذلك، فما أحب لقلبه من رؤية كل تلك الضحكات الربيعية التي تبدد شتاء قلبه ؟
سيطرت رانيا على ضحكاتها بصعوبة كبيرة :
” هو بابا طول عمره كده، من زمان وهو دايمًا بيعمل نفسه مش عايش معانا، هي ماما يا حبيبتي اللي كانت شايلة الهم دايما بسببنا وبسبب خناقات اخواتي ”
كانت تتحدث بحنين شديد، جذب صالح لتلك المنطقة التي لم يطأها يومًا عند رانيا :
” فين والدتك، ممكن اشوفها ؟؟”
ابتسمت رانيا تشير على صورة كبيرة تتوسط الجدار أعلى رؤوسهم :
” في الصورة اللي وراك على طول ”
نظر صالح للخلف بتعجب أنه لم ينتبه يومًا لها، حسنًا هو لم يكن ينتبه لشيء في هذا المنزل سوى لاعين رانيا، وملامح إخوتها النارية …
ابتسم يرى أن والدتها كانت جميلة ورقيقة بشكل يتنافى مع هيئة ابنائها الاربعة :
” مامتك باين عليها هادية ولطيفة اوي ”
ابتسمت رانيا تقول بحب شديد :
” اممم ماما كده فعلا، كانت مسالمة وفي حالها، شبه خالتو هاجر، نفس طريقتها في الحياة بالضبط، ولو أن ماما كانت متماسكة شوية عن هاجر، لكن تقدر تقول إنهم زي بعض، عشان كده هاجر بتفكرني بيها ”
ابتسم لها صالح بحنان شديد :
” ربنا يرحمها كانت جميلة اوي ”
ابتسمت له بسمة واسعة، تترحم على والدتها في نفسها، زمن ثم تجرأت أن تسأله ما تخشى أن تفعل منذ تحدثت معه .
” وأنت ؟؟”
” أنا ؟؟”
” والدتك شبه مين وكانت عاملة ازاي ؟؟”
فجأة تلاشت بسمة صالح بشكل جعل رانيا تدرك أن هناك ما يخص والدته وقد ترك في نفسه أثرًا ليس بالجديد أبدًا .
ابتلع صالح ريقه يقول ببسمة صغيرة حزينة :
” امي عكس والدتك خالص، كانت عاملة زي العيال بتحب تضحك وتهزر واحيانا كانت بتعمل مشاكل لينا واحنا نقعد نصلح وراها، مشاغبة ساعات، وعاقلة وهادية ساعات”
صمت يبتلع غصة استحكمت حلقه :
” هي كانت شبهك الحقيقة، كانت زيك اوي وحركاتها زيك، لما …لما كنتِ بتقفي قصادي تتكلمي معايا وكأنك مش خايفة وأنتِ اساسا مرعوبة، كان بيفكرني بأمي لما تقف تدافع عني أنا وصلاح قدام ابويا بشجاعة وهي اساسا بتكون مرعوبة يطولها العقاب”
أنهى حديثه يمسح وجهه في حركة بدت لرانيا طبيعية، لكنه فقط كان يفعل ذلك كي يمسح دمعة فرت من عيونه بالخطأ، حتى بعد كل تلك الاعوام ليس مستعدًا للحديث عنها، ليس بالشجاعة الكافية ليخوض تلك المنطقة في عقله، هو ربما كما وصفته عمته سابقًا، مدلل جبان وضعيف، لم يستطع أن يتخطى لحظة ذبحها حتى الآن، الأمر فقط مستحيل، هو ما يزال مسجونًا في تلك اللحظة …
أفاق صالح على صوت رانيا التي قالت بمزاح تريد أن تمحو تلك التعابير عن وجهه، وقد اقسمت في نفسها ألا تخوض معه ذلك الحديث مجددًا ما لم يأتي هو ليخبرها بنفسه .
” شبهي ايه ؟؟ أنا حاسة أنها شبهك، وأنا أقول طالع لمين في العيلة؟؟ اخوك وابوك حاجة وأنت حاجة تانية خالص ”
أطلق صالح ضحكات قوية :
” أحنا كنا متقسمين أحزاب، بابا وصلاح حزب المثقفين اللي بيحلوا المشاكل، وانا وماما حزب المهيبرين اللي بيعملوا المشاكل ”
شاركته رانيا الضحكات تقول :
” وأنت ما شاء الله يوم ما جيت تختار، اخترتني، عشان تعادل الحزبين تاني ”
ابتسم لها صالح غامزًا :
” دي مقصودة خلي بالك، أنا يا بنتي اختارتك على الفرازة عشان اكمل فريقي تاني ”
أدت رانيا تحية عسكرية لصالح :
” إن شاء الله أكون عند حسن ظنك يا فندم ”
انفجر صالح في الضحك أكثر عليها، ثم قال بحب شديد :
” وأنا متأكد من كده يا رانيا ”
ابتسمت له رانيا بحنان ليهتف صالح بهدوء شديد :
” تحبي تشوفي صور أميرة ؟؟”
اتسعت عين رانيا، وقبل أن تستوعب شيئًا كان صالح يقترب منها ببطء مع ترك مسافة مناسبة بينهما، يخرج هاتفه يشاركها شيء خاص في حياته، شيء لا يشاركه لأحد، لكن رانيا ليست أي أحد، بل هي كل أحد في حياته ….
______________________
حسنًا منذ ساعات كان الأمر ابسط من كل هذا، كانت الغرفة أكثر اتساعًا وكانت كمية الأكسجين في المكان كافية للتنفس، ماذا حدث الآن ؟!
أصبح المكان ضيقًا، واضحةطى التنفس صعبًا، والاسوء هي نظراته التي تلاحقها كلما أصدرت همسة أو مجرد حركة صغيرة، ابتلعت ريقها تحاول الحديث، لكن توقفت الكلمات بصدمة تراه يتجه صوب الباب مغلقًا إياه، ثم عاد لها يبتسم بسمة لم ترى لها مثيل من بين المرات القليلة التي ابتسم لها …
جلس مختار على طرف الفراش أمام نيرمينا ينظر لها بحب وصمت، يتأملها دون تصديق وهي فقط تحاول البحث عن أي شيء تقوله ..
” هو …هو سعيد فين ؟؟”
لكن مختار لم يصدر أي حركة أو يحرك حتى أصابعه، وهي لم تصمت، بل أرادت كسر ذلك الصمت :
” وميمو معاه ؟؟”
ومجددًا لم يصدر أي شيء لتبتسم هي بغباء :
” بس مقولتش يعني أنك اخو ميمو، تصدق شبه بعض ”
رفع مختار حاجبه مستنكرًا فعن أي شبه تتحدث هي؟! لكن نيرمينا لم تتوقف عن الحديث، وكيف تفعل وهي اخيرًا وجدت حديث لتكسر ذلك الصمت ؟!
مدت كفها بتردد وهذه المرة وهي بكامل وعيها، كانت تجذب يدها مرة وتمدها أخرى، تحاول أن تلمس وجهه لسبب لا يفهمه هو، لكنه ابتسم يقترب منها بوجهه يمنحها ما تريد، وهي أمسكت بوجنته ليغمض مختار عيونه يستشعر نعومة كفها، لتقول نيرمينا بصوت شارد في ملامحه :
” أنت جميل اوي، ملامحك جميلة اوي يا مختار ”
فتح عيونه لها يشير بأصابعه يحاول أن يوصل لها اسمه الحقيقي، وهي لم تفهم منه شيئًا فكتب لها على هاتفه_ الذي كان وسيلته الوحيدة لإيجاد نقطة مشتركة بينهما _ يرفع الهاتف أمام وجهها :
” نادر، اسمي نادر ”
همست هي بتعجب، لم تعتد الاسم بعد :
” نادر ؟! أنت ازاي عندك اسمين ؟!”
ضحك نادر ضحكة خافتة، ثم كتب لها ممازحًا :
” اسم الشغل، واسمي الحقيقي ”
رفعت نيرمينا حاجبها بعدم اقتناع، لكنها لم تعلق على الأمر قائلة :
” هو أنت اخو ميمو من زمان ؟؟”
تشنجت ملامح مختار بعدم فهم لتسارع هي وتوضح جملتها التي خرجت مظهرة إياها بمظهر البلهاء.
” مش قصدي كده، بس …بس ميمو لما جات عندنا مكانش معاها حد خالص ”
نظر لها ثواني، ثم كتب باختصار على الهاتف :
“مكنتش اعرف أنها اتجوزت ”
وتلك الجملة تركت حيرة لدى نيرمينا لم تستطع أن تكسرها، ولم يمنحها هو الفرصة لذلك، يميل ليخلع حذائه بشكل جعل نيرمينا تميل بشكل جزئي متغلبة على وجعها في جانبها الأيمن.
وهو انتهى يقترب منها على الفراش لتتراجع ميمو بقوة للخلف وبفزع جعلها تطلق صرخة متوجعة من ذلك الألم الذي ضرب خصرها بقوة ..
انتفض نادر برعب يتقرب منها يبعد يدها عن خصرها بقوة يفحصه بعيونه وكأنه سيعالجها أو ما شابه، لكنه لم يفقه شيء، رفع عيونه لها يسألها بأصابعه :
” بتوجعك ؟؟ انادي الدكتور ؟؟”
وهي كالعادة لم تفهم، لتشعر بالعجز على التواصل معه وتقرر في نفسها أن تتعلم لغته لتجد نقطة تلاقي بينهما :
” أنا كويسة متخافش، بس رجعت بسرعة فوجعتني ”
رفع لها نادر رأسه قبل أن يضرب جبهتها بخفة مؤنبًا إياها على حركتها غير المسؤولة، وهي ضمت جبهتها تعود بنصف جسدها العلوي للخلف، تحاول أن تبعد رأسها عن يده..
ابتسم نادر على ملامحها، ليقترب فجأة منها مستغلًا التصاقها بالفراش وعدم إمكانية رجوعها أكثر..
نظر لعيونها ثم أشار لها :
” عايز اقولك حاجة ”
نظرت له بعدم فهم ليخرج هاتفه ويكتب جملته التي أشار بها، رأت نيرمينا ما كتب لترفع عيونها له وكأنها ستقرأ ما يريد قوله في عيونه ..
ابتسم لها نادر يشير لها بحركة، حركة لم يكن يعتقد يومًا أنه سيحتاج لها، ظن أن ذلك اليوم لن يأتي، لن يرى اليوم الذي سيقول به صراحةً تلك الكلمة، حرك أصابعه في ثلاث حركات، كل حركة تدل على كلمة، وفي النهاية جمع الثلاث حركات في حركة واحدة تعبر عما يريد :
” أنا… بحب..ك، بحبك ”
كانت نيرمينا تتابع حركة أصابعه، حيث قام بحركات كثيرة، جمعهم في النهاية في حركة أخيرة رأتها سابقًا في العديد من المسلسلات والافلام، لا تتذكر تحديدًا معاناها .
رفعت نيرمينا كفها مثله واخذت تحاول تقليد حركته وهو يتابع أصابعها تقلد حركاته حتى وصلت للكلمة التي أرادها، ابتسمت بسعادة كبيرة وقد استطاعت أن تفعل ما فعل .
قالت بحماس تشير لاصابعها :
” مخـ..نادر بص، أنا بعرف اعمل زيك ”
التمعت أعين نادر يرى نظراتها لما فعلت، ليبتسم لها بحب شديد، وهي نظرت له تتسائل ما معنى تلك الحركات ..
وهو سريعًا أخرج لها هاتفها وبحث عن تلك الحركة على الهاتف، ثم عرض لها صورة للثلاث حركة ومن ثم الحركة النهائية التي كُتب تحتها ( أحبك)
نظرت له بصدمة كبيرة وقد اتسعت عيونها بشكل مضحك، تراقب أصابعها بعدم فهم وكأنها تنفي عن نفسها معرفتها بتلك اليد، ولم تفق سوى على اهتزاز جسد نادر هزات خفيفة دلالة ضحكه ..
نظرت له بعدم فهم :
” أنا مكنتش اعرف والله انا بس عملت زيك و…”
وفجأة شهقت بقوة تستوعب ما حدث منذ ثواني، نادر كان يعترف لها وهي كالحمقاء تحاول أن تبحث عن مبررات لما فعلت، لحظة هل فعلها حقًا، هل اعترف للتو أنه…شهقت فجأة تتراجع برأسها واضعة يديها فوق فمها ليتعجب نادر الأمر وهي نظرت له بأعين متسعة :
” هو أنت فعلا … أنت بجد يعني …”
ولم تستطع النطق لترفع أصابعها تعيد تلك الحركة عليه، تشير لاصابعها قائلة :
” أنت بجد ؟!”
نظر نادر لاصابعها، ثم هز رأسه وهو يرفع أصابعه هو الآخر يقوم بتلك الحركة مجددًا لتشعر نيرمينا بالصدمة تحتل كامل جسدها :
” ازاي …ده أنت… أنت كنت … أنت مكنتش بتطيق تبص في وشي حتى ”
ابتسم لها ينفي كلماتها تلك وكم ود لو يخبرها أنه لم يحب شيء في حياته بقدر حبه لتلك اللحظات التي يراقب ملامحها .
وقبل أن تبارد بقول كلمة أخرى قاطع نادر كل تلك المحاولات الفاشلة وهو يقترب منها بحذر شديد يسحب جسدها صوبه برفق وحنان، ثم ضم رأسها لصدره وقبل أن تنطق بكلمة واحدة شعرت بقلبة تحط على وجنتها وشفتي نادر تتحرك على خدها وكأنه يقول لها كلمات عجز لسانه عن النطق بها .
ونادر في تلك اللحظة كان يحيا اجمل لحظات حياته بأكملها، يحرك شفتيع باسمها يستلذ بنطقه …
_____________________
كان يقف أمام المنزل يراقب ما حدث به، أصبح رمادًا، إذا ما هبت ريحٌ ستبعثره.
أهذا ما عاش والده سنوات يكافح لأجله ؟! هذا ما كان يتفاخر به ويتباهى أمام الجميع بامتلاكه ؟!
ابتسم سعيد بسمة ساخرة يضع يده أمام عيونه، يرفع رأسه للأعلى يرمق القصر من أعلى لاسفل بأعين متفحصة :
” لا بس تسلم ايده مسابش طوبة إلا أما اتفحمت، رجالته عندهم ضمير عن رجالتي ”
في ذلك الوقت أبصر ميمو تعود مع صلاح من جهة الاسطبل تقول متنفسة براحة شديدة وهي تشير له بابهامها تتحدث بصوت مرتفع كي يصل له :
” الدنيا زي الفل، الاسطبل سليم وكمان الخيل وكل حاجة تمام، مفيش غير بيت ابوك اللي اتفحم ”
نظر سعيد صوب المنزل يقول معترضًا بحنق شديد :
” يعني ابويا أنتِ خلصتي عليه، والبيت بتاعه هو خلص عليه، محدش عاطيني فرصة اطلع اللي السواد اللي جوايا”
اقتربا الاثنان من سعيد وتوقفا جواره يرمقون المنزل بأعين محتارة على الخطوة القادمة، لا أحد يعلم ما سيحدث بعد ذلك سوى لقاء سعيد بأحد عناصر الشرطة .
فركت ميمو خصلاتها تقول بتفكير :
” ده بوظه على الآخر، ده يترمم ولا يتهد ويتبني من الاول اسهل ولا هنعمل ايه ؟!”
كان سعيد يمسك ذقنه بتفكير :
” أنا بس اللي هيجنني هو لحق امتى يعمل كده، ده احنا سيبناه من كام ساعة بس، لحق يجيب منين كمية البنزين دي كلها عشان يحرق قصر بالحجم ده ؟؟”
نظر لها ثم قال ببساطة وهو حقًا لا يعينه احتراق القصر، هو على أية حال كان لا يحب البقاء به، ولم يتحدث لظنه أنه سينتهي من عمليته الأخيرة ويغادر البلاد بأكملها تاركًا إياه لميمو، فلم يكن يعنيه احتراقه من عدمه..
” طب والله جدع عنده رجالة أيدها تتلف في حرير، اشتغلوا في صمت ومحدش حس بيهم غير بعد ما البيت اتفحم، مش أنا مشغل معايا شوية متخلفين نصهم باعني والنص التاني بيفضحني قبل ما يفكر ينفذ أوامري اساسا ”
نظرت له ميمو ثواني بحنق على طريقة حديثه بهذا البساطة، لكن فجأة انفجرت في موجة ضحكة وهي ترى ملامحه الخانقة يحدق في منزل طفولته وشبابه وقد ضاع :
” معلش بقى يا سعودي اصل هي الطيور على اشكالها تقع، واحد زيك كان معاه وسيم ورجب، يحمد ربنا أنه خرج بدون امراض مزمنة”
انقلبت ملامح سعيد بمجرد سماع اسم الاثنين، ليقول بحنق شديد يخرج هاتفه :
” متفكرنيش بالكلاب دول، والله لولا أنهم اتكلوا على الله انا كنت خلصت عليهم بايدي ”
وضع الهاتف أعلى أذنه يتحدث بجدية لأحد ما :
” الو أنت فين دلوقتي ؟؟ ”
صمت يستمع للطرف الآخر :
” طب خليك هناك إياك حد يدخل أو يخرج من عندها غير مختار أو أنا وميمو سامع ؟؟”
صمت قليلًا، ثم اغلق الهاتف ونظر للقصر يقول بعد تنهيدة عالية خرجت منه :
” ودلوقتي هنعمل ايه ؟!”
وأخيرًا تحدث صلاح بعد صمت طويل، يضع يديه داخل جيب بنطاله يراقب القصر بنظرات ساخرة بعض الشيء :
” كان نفسي اقولك تعالى معايا شقتي اقعد فيها، بس أنت عارف الشقة يا دوبك على القد وضيقة، حتى في علم النفس بيصنفوا شقتي أنها خنيقة وفيها طاقة سلبية ”
كان صلاح يتحدث وهو يرمق سعيد بخبث ونظرات ساخرة، ثم نظر بعدها للقصر يقول مقترحًا بجدية :
” وعشان كده انا بقترح عليك، تقعد بين جدران قصرك الواسع حيث الطاقة الإيجابية والراحة النفسية وروح الصعلوق والدك ”
نفخ سعيد يقول ببرود شديد :
” أنا اقعد في اسطبل الخيل مع سكر ناكل في بعض طول الليل ولا إني اقعد ساعة في علبة الكبريت اللي عايش فيها”
” علبة كبريت ؟؟ اقول أيه ما أنت مش بتتعظ، عايز يحصلك ايه اكتر من كده عشان تنزل من البرج بتاعك؟؟ ولا متنزلش خليك كده لغاية ما في يوم هشدك تقع على جدور رقبتك ”
صرخ سعيد بغيظ شديد وقد ملّ كل ذلك :
” بقولك ايه انا مش عايز مساعدة منك يا جدع أنت، أنا اساسا مش بحبك ولا بطيق سيرتك، أنا مش عارف ايه اللي دخلك في حياتي ومشاكلي ”
ابتسم له صلاح يجيبه بهدوء :
” احيانًا بيضطر الصحفي يتعامل مع اشكال زيك كده يا سعيد لأجل شيء مهم اسمه الشغل والاخبار المثيرة للجدل، فأنت متفكرش اني بساعدك كده لوجه الله، أنت كلك في نظري سبق صحفي مش اكثر، وترقية للواد رائد المسكين، يعني تخيل مستقبل اتنين واقف على خرابك”
استدار سعيد صوب ميمو بملامح حادة وكأنه يخبرها أن ترى أفعال من احضرته تحت مسمى المساعدة، وميمو ابتسمت له تربت على كتفه :
” متزعلش منه هو صلاح صريح شويتين، خلينا نبص للجانب الكويس في الموضوع، أنك هتعمل حاجة كويسة وتكسب ثواب في اتنين ”
تنفس سعيد بصوت مرتفع ولا يدري حقًا ما يحدث في حياته، هو أشبه بمن يرقص ويضحك على انقاضه، يضحك ويمزح ويشاكس وحياته تحترق في الخلفية كما احترق القصر، لكن الفرق أن حياته ما تزال تحترق ولم تصل لمرحلة الرماد ..
إضافة على ذلك، هو ما يزال داخله هاجس مخيف يخبره أن يهرب، أن يتوقف عن تلك اللعبة ويترك الجميع ويهرب طالما ما يزال ذلك ممكنًا، لكن لا يدري ما يكبله ويمنع ذلك..
ربما هو الصوت المضاد في عقله الذي يجبره على سلك الطريق الصحيح هذه المرة والتوقف عن الفساد والخراب .
أفاق فجأة على صوت رسالة تصل له على هاتفه من نفس الرقم الذي علم أنه يخص غانم وكان محتوى الرسالة كلمة واحدة .
( بالشفا..)
ابتسم سعيد بسخرية ليشعر بميمو تميل على الهاتف الخاص به لترى كلمة غانم، رفعت عيونها لهم تشير لصلاح بالاقتراب :
” ضم يا صلاح على اخوك شوية كده ”
ورغم استنكار صلاح لتلك الكلمة التي وصفت بها سعيد، إلا انه اقترب منهم لتسحب ميمو هاتف سعيد ترفعه في الهواء مبتسمة :
” يلا ابتسموا ”
نظر لها سعيد باستنكار شديد :
” هو أنا مكانش القصر في دماغي، بس مش لدرجة أخد سيلفي معاه وأنا مبتسم، دي ملايين ضاعت في الأرض ”
ربتت ميمو على كتفه بهدوء :
” التأمين باذن الله يغطي، بعدين هنديله وش دهان ويبقى زي الفل، يلا بسمة حلوة لأجل غانم ”
وبالفعل ابتسم سعيد بسماجة وكذلك صلاح وميمو التي أخذت تلك الصورة وارسلتها لغانم أسفل رسالة ( تسلم ايدك )
ألقت الهاتف بعدها لسعيد بملامح محتدة وقد شعرت بالغضب يتصاعد، هي لا يعنيها القصر، هي لم تكن ستسكن به على أية حال بعدما تنتهي من كل ذلك، قصر كهذا لم يحمل لايًا منهم لحظة سعادة واحدة، بل هي كانت في الحقيقة تتمنى لو هي من احرقته بيديها كي ترى كل ذكرياتها تتحول لرماد، تحرقه كما أحرقوا منزلها وعائلتها، تحرقه كما حرقوا حياتها سابقًا، هي شاكرة وناقمة على غانم، شاكرة أنه نفذ لها حلمها دون أن تتكبد العناء، وناقمة لأنه سبقها في ذلك .
سمعت صوت صلاح يتحدث جوارها :
” هتيجي تباتي مع تسبيح في شقتها ”
ولم يكن الأمر سؤالًا بقدر ما كان معلومة يخبرها بها من باب العلم بالشيء ليس إلا، نظرت له بشكر مبتسمة وقد شعرت فجأة بنيرانها تخمد بنظرة واحدة منه .
بينما سعيد يقف خلفهم وهو يراقب المنزل الذي ضم صرخاته وصرخات والدته يحترق، يرى مصدر تعاسته ينتهي، لم يهتم ولم يغضب سوى لتلك الصور القليلة التي كان يحتفظ بها داخل المنزل لوالدته، ولحسن الحظ لديه بعض النسخ على هاتفه .
أفاق على صوت ميمو تقول بجدية :
” سعيد كلم والد غانم عشان نخلص من ده كله، اللعبة طولت وابنه بدأ يتخطى حدوده ”
صمتت تنظر لصلاح الذي قال بهدوء وكأن قرأ نظراتها :
” هكلم رائد يتواصل مع الظابط اللي قال عليه وفي أقرب فرصة هنقابله ”
هزت ميمو رأسها تضم ذارعيها وهي تراقب بأعين ضبابية ما حدث حولها، بدا كما لو أن العالم فجأة انقلب للسواد، انقلب ؟؟ وكأنه كان بغير لون؟!
عالمها كان دائمًا باللون الاسود، متى إذن يحين موعد تلوينه ؟؟؟
_____________________
يقود سيارته عائدًا لمنزله بعد استراحة نفسية قضاها رفقة رانيا، تنفس جوارها براحة واخيرًا بعد أيام طويلة مرهقة بعيدًا عنها..
ابتسم يتذكر شكلها أثناء وداعها له :
” كنت قعدت ومشيت بكرة ”
” بالله عليكِ لو قولت كده لاخواتك هيرضوا ؟! اقعد فين ؟؟ دول بيبصولي كأني واكل ورثهم ”
نظرت رانيا خلفهم لتجد الأربعة يقفون على باب المنزل يراقبون ما يحدث بحرص شديد جعلها تزفر، ثم ابتسمت لصلاح :
” معلش يا صلاح والله هما …”
” طيبين، عارف يا رانيا، والله من كتر ما أنتِ بترددي الكلمات دي أنا بدأت اصدق أنهم فعلا طيبين وأنا اللي ظالمهم ”
ضحكت رانيا ضحكة خافتة، خوفًا أن يسمعها أحدهم ويهب فجأة ليتساءل عن سبب ضحكاتها، وماذا قال ليتسبب بها، ولماذا قال ذلك الذي اضحكها ؟؟
ابتسم لها صالح وتلى على مسامعها كلماته التي أضحت كالعهد بينهما :
” خدي بالك من نفسك يا رانيا لغاية ما أنا اجي أخد بالي منها، كلها يوم وهكون هنا واخيرًا وهتكوني خطيبتي ”
انتفض صالح من ذكرياته القريبة على صوت رنين هاتفه الذي ارتفع منبهًا إياه أنه ليس بمنزله كي يشرد بخياله، بل هو على طريق سفر وداخل سيارته .
امسك الهاتف ليبصر اسم محمود، فتح المكبر ووضع الهاتف أمامه يقول بمزاج صافي :
” مساء الخير يا حودة يا حبيبي، الدنيا عاملة ايه عندك والشغل عامل ايه !!”
وصل له صوت محمود الذي أطلق لعنات وكلمات حانقة وقد امتلئت السيارة بالعديد من الجمل الغير مرتبة التي لم يفهم منها سوى أنه ساخط لأمر لا يعلمه :
” اهدى يا حبيبي واتكلم براحة عشان أنا رايق متخلنيش اقفل في وشك ”
على الطرف الآخر تنفس محمود بصوت مرتفع يتناول من والده كوب العصير يشكره بكلمات خافتة :
” تسلم يا ماجد، ربنا ما يوريك حرقة دم قادر يا كريم ”
ربت ماجد أعلى كتف محمود وهو ما يزال يضحك بقوة لا يستطيع أن ينسى ما حدث :
” اشرب يا حبيبي، اشرب وابلع اللي حصل معاك ”
تركه ثم تحرك صوب معمله :
” أنا هكمل شغلي عشان عندي سفر كمان ساعتين لمؤتمر مهم، لو عوزت حاجة، رجاءً شوفها بعيد عني ”
عاد محمود لصالح الذي قال في الهاتف :
” هو ابوك شمتان كده فيك بسبب ايه …لحظة كده، هو انهاردة معادك مع ياسين اخو هاجر ؟؟”
ارتشف محمود بعضًا من العصير أمامه يقول بغيظ شديد :
” أيوة، وأنا اللي قعدت اقول كويس أنك مشيت عشان اروح لوحدي والأمور تتيسر، طلع فاكرني يا صالح، طلع فاكرني .”
أطلق صالح ضحكات صاخبة وهو يقود سيارته براحة شديد وبسرعة متوسطة :
” طب والله أنت عيل ندل، كان نفسي اتفرج ”
” وتتفرج ليه، ده انا هحكيلك من وقت ما كبسني لغاية ما ودعني عند الباب ..”
رفع محمود عيونه لياسين بصدمة شديدة تسببت في اتساع بسمة ياسين، يراقب ملامح محمود بدقة متناهية، بعدما أخذ يوم كامل ليتذكره، ومن ثم سأل هاجر عنه لتتوتر وتقول كلمات غير مرتبة انتهت بقولها أنه يعمل طبيب في مشفى جوار محبزها، لكن للحق هي لن تخبره أنه طبيب تشريح، هو من استنبط ذلك .
ابتلع محمود ريقه ولم يُحسن اختيار رد، مما أثار تعجب ماجد الذي رمق ابنه باستنكار :
” ايه يا حبيبي مالك وشك ابيض كده اول ما قالك دكتور ؟؟ هو أنت غيرت المهنة من غير ما تقولي يا محمود؟!”
امسك محمود يد والده يهمس له بصوت منخفض :
” غيرت مهنة ايه، أنا في ورطة ده شكله افتكرني يا ماجد، انجدني الله لا يوقعك في ضيقة يارب ”
” فيه ايه يابني ؟؟ حصل ايه انا مش فاهم ”
فتح محمود فمه ليجيبه ويخبره ما يحدث، لكن قاطع ذلك حديث ياسين الذي قال ببسمة :
” أنا أول ما شوفتك قعدت افتكر يا ترى شوفتك فين، لكن معرفتش افتكر، ملامحك كانت مألوفة اوي عليا، اصل مش كل يوم بقابل شاب عيونه خضره واشقر زيك ”
ابتسم له محمود بسمة سخيفة يحاول تمرير تلك الليلة بأقل الخسائر الممكنة :
” الله يكرمك يا فندم ”
” لغاية ما سألت هاجر عنك يمكن تساعدني افتكرك وهي قالتلي أنك شغال في مستشفى جنب المخبز ”
“الله يسامحها يا فندم ”
رمقه ياسين بنظرات غامضة، غريبة في أعين ماجد الذي لم يفهم ما يحدث :
” الحقيقة هي موضحتش أنت دكتور ايه وتوهت في الموضوع ”
كتم محمود صوتًا ساخرًا كاد يفلت من فمه مرددًا بتهكم :
” لا حويطة البنت ”
” بس انا افتكرت على طول اول ما قالت دكتور في مستشفى جنب المخبز ”
تنحنح محمود يحاول أن يستدعي أي كلمات كان قد حضرها سابقًا، لكن خاب أمله وما خرج من عقله سوى بكلمات خرقاء عادية لا تصلح في مثل موقفه :
” أنا يا فندم يشرفني اني اكون مع حضرتك هنا والله واطلب ايد الآنسة هاجر منك ”
نظر له ماجد بحنق شديد واستهجان :
” هي مش المفروض دي جملتي ؟؟ اقوم امشي أنا طيب؟!”
” معلش يا ماجد أنا اساسا مش مركز ابقى خد جملتي، بس عدي اليوم ده ”
نظر ياسين لهما بجدية قبل أن يعتدل في جلسته يفرد ظهره وقد أظهرت جلسته هيبة وكبرياء متأصلين به :
” الشرف ليا طبعا يا دكتور، بس مش اعرف عنك الاول كل حاجة عشان اعرف اديك ردي ؟؟ حضرتك بتشتغل دكتور تشريح صح ؟!”
صمت محمود ولم يدري ما الحل في تلك الحالة، أيهز رأسه موافقًا، أم يتخذ الصمت جوابًا، أم يترك لوالده دفة القيادة؟؟ لكن حتى والده لا يدري ما الأمر ولا يتوقف عن زجره بنظرات متسائلة يسشتعر وجود خطب .
” أيوة يا فندم أنا شغال دكتور تشريح ”
ابتسم له ياسين بسمة صغيرة يهز رأسه بهدوء، ثم قال بجدية كبيرة :
” طب كلمني معلش عن نفسك شوية، حابب اتعرف عليك”
تنفس محمود بصوت مرتفع يدعو الله أن ينتهي ذلك اللقاء على خير :
” اسمي محمود ماجد، والدي الدكتور ماجد عالم نباتات وعقاقير ”
ابتسم له ماجد يهز رأسه، بينما ياسين رمقه باحترام شديد وتقدير، ومحمود استمر في التعريف عن نفسه بطل هدوء وثقة لا يعلم من أين اكتسبها :
” عندي ٢٧ وعلى مشارف الـ ٢٨، طبيب شرعي وعايش مع والدي في بيتنا، هو فيلا صغيرة كده بس هي مريحة وكويسة”
كان ياسين يستمع له بهدوء قبل أن يقول بجدية كبيرة :
” طب بتشرب حاجة يا دكتور ؟! قصدي يعني في العادة بتشرب أي حاجة زي سجاير أو غيره ؟!”
نظر محمود صوب والده الذي أدرك أن هذا الرجل على معرفة بشيء يخشاه ولده، لذلك تدخل بهدوء وبسمة واسعة راقية :
” الحمدلله ابني مش بيشرب شيء وهو عاقل عشان يعرف اللي يضره واللي ينفعه ”
وبالنظر للسخرية التي علت وجه ياسين أدرك أنه ربما اصطدم بالنسخة الحمقاء من ولده ليقول :
” هو جات عليه فترة كان بيحب يلعب في الاعشاب بتاعتي في المعمل ويشرب أي حاجة فيهم زي العيال الصغيرة، لكن ربنا تاب عليه الحمدلله وعقل …شوية ”
أضاف كلمته الأخيرة، ثم ابتسم بهدوء ونظر لياسين الذي أطال التحديق بمحمود في نظرات غامضة، والاخير حاول أن يتماسك، وقد شعر برغبة عارمة في الهرب من المكان، لكن فجأة أبصر هاجر التي كانت تقف بعيدًا خلف أحد الأبواب تراقبهم، هي تستحق، من وجهة نظره هي تستحق كل ما يفعل وما سيفعل لأجلها، فقط يأمل ألا يتسبب طيشه واستهتاره في ضياعها…
” ها وحصل ايه بعد كده ؟؟”
ترك محمود الكوب الفارغ من يده يجيب على صالح وقد بدأ يهدأ، بعدما شعر بمشاعر هيستيرية خوفًا أن تتأزم الأمور مع ياسين ويخسر أثناء ذلك هاجر .
” بصلي كأني عيل عبيط، وتلاقيه كان بيفكر مين الغبي اللي يقعد يشرب في اعشاب ونباتات ”
” عنده حق والله ”
” وبعدين اتكلمنا في أمور عادية و…بس، حتى هاجر مقدرتش اشوفها أو اقعد معاها قبل ما امشي ”
أشفق عليه صالح ينظر للسماء أثناء قيادة السيارة وتنهد يستشنق الهواء بصوت مرتفع :
” متقلقش يا صاحبي أنا حاسس من كلامك أنه شخص عاقل، المرة الجاية أنا هاجي معاك ونشوف الموضوع ده، بعدين عندك خطوبتي قربت وهخليك تشوف هاجر اهو ”
انتعش قلب محمود وقد سمع تلك الأخبار السعيدة :
” صح فكرتني، مبارك يا صاحبي عقبال الليلة الكبيرة يارب”
” تسلم يا حودة، أنا راجع اهو القاهرة هعدي عليك قبل ما اروح، وكمان عشان عايز اشوف صلاح واللي وصل ليه، لما كلمته كان شكل فيه حاجة ”
تحرك محمود من مكانه صوب الدرج، وقد شعر بالارهاق الشديد بعد هذا اليوم الطويل المشحون :
” تمام هستناك متتأخرش عشان متجيش تلاقيني نمت ”
زاد صالح من سرعته بعدما خفضها سابقًا ليركز في التحدث مع محمود :
” لا متقلقش لو جيت لقيتك نايم هصحيك، يلا باي بقى عشان اكلم صلاح اشوفه …”
_________________
في منزل تسبيح كان رائد يقف أمام الباب من الداخل يراقب صلاح يتحدث لميمو التي تجلس على الأريكة وكأنه والدها جاء يودعها في أول يوم روضة لها .
” تمام يا ميمو؟؟ لو احتجتي حاجة خبطي الباب وانا هخرجلك، أو رني عليا ماشي ؟؟”
زفر رائد وقد سأم كل ذلك الحوار :
” خلاص يا صلاح لو حصل حاجة الدادة هتكلمك يا حبيبي ”
نظر له صلاح بشر ليصمت رائد مكرهًا من كل ذلك، بينما صلاح عاظ بنظره لميمو التي ضحكت عليه وقالت :
” هو عنده حق والله يا صلاح متحسسنيش اني عيلة صغيرة، والله عيب ده أنت اكتر واحد عارفني، روح نام واطمن واستريح، أنا تعبتك معايا انهاردة كتير ”
ابتسم لها صلاح ينهض يعدل من ثيابه، يشعر أنه ربما بالغ، لكنه فقط يريد أن يتأكد أنها بخير، هو ليس بالاحمق ليغفل عن نظراتها التي كانت مثبتة على القصر المحترق، يدرك جيدًا أن الأمر ترك أثره ولم يمر مرور الكرام عليها، لا هي ولا سعيد كما اظهرا، يخشى فقط أن تعيد تلك الذكريات ذكريات أخرى مشابهة وتسوء حالتها .
تحرك مع رائد للخارج ولم ينس أن يلقي لها بنظرة أخيرة حنونة يخبرها بها أنه هنا جوارها، وهي استقبلت تلك النظرات بامتنان كبير ..
دخل صلاح المنزل مع رائد وألقى الاثنان جسديهما على الاريكة دون كلمة واحدة، كلٌ يفكر في مصابه، رائد يحاول معرفة من ذلك الذي يحوم حول تسبيح، وصلاح يحاول أن يعلم القادم في حياته ومتى ستنتهي تلك الدوامة وينال مكافئته في النهاية .
في نفس الوقت وصل صالح مرهقًا للمنزل، ودون كلمة وبمجرد أن فتح الباب تحرك صوب الأريكة يلقي بجسده جوار الاثنين .
وفجأة تنهد الثلاثة بصوت مرتفع في الوقت ذاته، ومن ثم نظروا لبعضهم البعض وانفجروا في الضحك، لا يدرون على حالتهم أم ما ينتظرهم جميعًا ..
وبعد موجة غير مبررة من الضحك قال رائد بصوت مرهق :
” كان علينا من ده بأيه بس ؟؟”
اجابه صلاح وهو شارد في سقف المنزل فوقه :
” مفيش حاجة بتيجي بالساهل يا رائد، فما بالك لو كانت الحاجة دي هتكون حياتك اللي جاية كلها ؟؟”
” عندك حق ”
ابتسم صلاح بتفاخر :
” أنا طول عمري عندي حق ”
قال صالح وهو يحدق في السقف مثله مثل الجميع وكأن هناك فيلمًا يُعرض في الاعلى :
” واخرتها ؟؟ ”
ربت صلاح على كتفه :
” اخرتها خير يا صالح، اتفائل بالخير، بعدين أنا مش عارف أنت ايه مشكلتك في الحياة غير اخوات رانيا؟! بعدين لو فيه حاجة أنا معاك ”
قال صالح ببساطة شديد :
” أنت، أنت كمان مشكلتي يا صلاح، فكرك أنا اخوات رانيا في دماغي ؟؟ دول آخرهم استفزاز وغيظ وحرقة دم، أنا بتكلم عليك أنت وعلى حياتك اللي بقت على كف عفريت ”
نظر له صلاح بحب قبل أن يلقي نفسه بين احضان صالح، ليربت الأخير على ظهره بحنان ومؤازرة يخبره بصمت أنه هنا معه، ورائد يراقبهما ببسمة قبل أن ينتفض الجميع على صوت غلق الباب بقوة .
نظر صلاح لصالح متسائلًا :
” أنت مقفلتش الباب ؟؟”
نفى صالح وهو يتمطأ بتعب شديد :
” لا اصل محمود كان بيشتري حاجة وطالع”
ابتسم محمود يقتحم جلستهم وهو يدفع رائد جانبًا :
” وسع كده خدني جنبكم ”
أشار صلاح لمحمود الذي كان يحمل حقيبة مليئة بالطعام أعلى قدمه يفرغها على الطاولة أمامه ويتناول منها بتلذذ :
” هو بيعمل ايه هنا ؟!”
ابتسم محمود يقول بهدوء دون أن يبعد عينه عن الحقائب :
” ماجد سافر من شوية وأنا مش بحب انام لوحدي، فجيت أنام مع صالح ”
زفر صلاح بحنق ولم يكد يعترض، حتى سارع محمود بالقول :
” أنا جبت أكل لينا كلنا ”
نظر له صلاح باستنكار شديد، هل يظن ذلك الاحمق أنه سيشتري موافقته ببعض الطعام الشهي الذي كاد يتذوقه في فمه ؟؟
نعم الآن فقط يستطيع فعل ذلك فهو يتضور جوعًا، نهض الجميع وتجمعوا حول الطاولة يتناولون الطعام الذي أحضره كلٌ من صالح ومحمود، وقد بدأت رؤوس الجميع تدور في فلك مختلف عن الآخر..
فجأة توقف صلاح عن الطعام وتساءل بجدية :
” لحظة هما البنات أكلوا ؟؟”
نظر الجميع له وكأنهم استوعبوا للتو ما فعلوا، للمرة الأولى ينسى رائد إحضار طعام لتسبيح، هو فقط شعر بتفكيره يُشل بسبب ما رأى.
زفر بحنق يمسك بنصيبه من الطعام وهو يتحرك صوب المنزل الخاص بتسبيح، وصلاح نظر له بحنق لا يدري ما به :
” هو رائد ماله ؟؟”
هز صالح كتفه بجهل، ليلحق صلاح برائد يمسك حصته من الطعام لأجل ميمو التي يعلم أنها لم تتناول طعامها منذ ساعات طويلة .
مخلفين ورائهما صالح ومحمود اللذين نظرا صوب الباب، ثم عادا لتناول الطعام بلا اهتمام .
في ذلك الوقت داخل منزل تسبيح .
انتبهت ميمو لملامح تسبيح الشاحبة التي علت وجهها بشكل مريب جعلها تدرك أن هناك شيء بها ..
ابعدت خصلاتها المبتلة عن وجهها تتساءل بجدية وهي تربت أعلى كتف تسبيح :
” تسبيح هو فيه حاجة ؟؟”
نظرت لها تسبيح بخوف شديد، ترفع في وجهها الهاتف الخاص بها تقول برعب :
” أنا … أنا معرفش اعمل ايه، أنا والله قبلته على أساس أنه بنت و..و فجأة لقيت اسم الصفحة بتاعته قلبت ولد ”
صمتت وميمو تحاول معرفة ما تقصد وهي تقرأ ما عُرض امامها، وتسبيح استفاضت فيما تقول تتلمس بها مساعدة :
” هو والله بعتلي ريكورد وهو بيتكلم وكان صوت بنت، بقالي فترة بكلمه على أساس بنت، وامبارح اتغابيت وبعت ليه رقمي، ودلوقتي …دلوقتي عمال يرن عليا من أرقام كتير وانا مرعوبة اقول لرائد، خايفة يتعصب أو يفتكر حاجة تانية ”
نظرت لها ميمو تحاول أن تفهم ما يحدث، فهي في حياتها لم تتعرض لمثل تلك المواقف، أو حتى إن كانت تعرضت لها، كان الأمر يكلفها فقط مقطع صوتي لذلك المزعج تخبره به ما سيناله إن لم يتوقف عن ازعاجها وينتهي الأمر .
انتفضت تسبيح فجأة على صوت قرع الباب الذي تلاه صوت رائد يقول بجدية تزامنًا مع ارتفاع رنين الهاتف :
” تسبيح افتحي خدي عشاكم”
ارتجف جسد تسبيح بقوة وشعرت بالرعب وهي تسمع صوت هاتفه الذي يهتز بين أنامل ميمو، وبكل بساطة أغلقت ميمو المكالمة ودست الهاتف في جيب بنطالها المنزلي تقول ببساطة :
” افتحي الباب يا تسبيح وبطلي هبل يا حبيبتي، مش هيطلعلك يعني من التليفون، روحي افتحي الباب وابتسمي كده، ولا أنتِ منتقبة اساسا خبي وشك عشان التوتر الواضح ده وشوفي جوزك عايز ايه وسيبك من الحوارات دي ”
نظرت لها تسبيح بخوف شديد :
” أنتِ شايفة كده ؟؟”
” أيوة يا حبيبتي انا شايفة كده، افتحي الباب واسترخي، ده عيل عبيط فكك منه ”
وبالفعل تنفست تسبيح بصوت مسموع، ثم تحركت صوب الباب تنزل نقابها _ الذي لم تخلعه بعد منذ رحيلهم _ وفتحت الباب بهدوء ليستقبلها رائد ببسمة حنونة يمد يده ببعض علب الطعام :
” خدي ده عشاكي انتي وميمو ”
نظرت تسبيح ليده وأخذت ما يحمل لترى صلاح يقف خلفه بهدوء يراقب ميمو التي تقف في بهو المنزل تحمل هاتف ما، لا تدري أخاصتها كان أم لا ؟؟
لكن فجأة ارتفع رنين هاتف جعل جسدها يرتجف بقوة أثارت ريبة رائد وكاد يتسائل عن سبب توترها الملحوظ لولا سماع الجميع صوت صرخات ميمو في الهاتف:
” أنت بتقول ايه ؟؟ وقفه اوعى تسيبه يمشي، أنا شوية وجيالك ”
أغلقت الهاتف ليندفع لها صلاح بملامح متسائلة وهي قالت دون أن تنتظر منه استفسارًا :
” أمير حارس سعيد بيقول أن سعيد ركب عربيته واتحرك بيها ناحية المطار ”
أجرت سريعًا اتصالًا برقم سعيد تنتظر رده، وبعد انتهاء الاتصال أعادت الكرة مرة أخرى وقد بدأ الغضب يتحكم بها، وفجأة اتسعت عيونها تستمع لصوت سعيد الذي بدا من الضوضاء حوله أنه وصل المطار بالفعل لتصرخ :
” سعيد أنت فين ؟؟ والله لو خطيت خطوة واحدة برة المطار لأكون مخلصة عليك بايدي …..”

يتبع..

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة باقي حلقات الرواية اضغط على : (رواية ما بين الألف وكوز الذرة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *