روايات

رواية سدفة الفصل الأول 1 بقلم آية شاكر

رواية سدفة الفصل الأول 1 بقلم آية شاكر

رواية سدفة البارت الأول

رواية سدفة الجزء الأول

سدفة
سدفة

رواية سدفة الحلقة الأولى

“يعني إنت نمت طبيعي وصحيت أعمى!!… لـ… ليه إيه اللي حصلك وإنت نايم؟”
أطلق تنهيدة متألمة عندما تذكر ذلك اليوم حين أظلمت دنياة دون سابق إنذار، عقب قائلًا بحسرةٍ:
“الأطباء احتاروا في حالتي حتى إن بعضهم قال إني بتظاهر بالعمى!!”
أردف بابتسامة ساخرة:
” لأن مفيش أي سبب طبي يمنعني أشوف…”
أطرقت الفتاة رأسها لأسفل تفكر فيما قاله وهي مقطبة حاجبيها ثم طالعته وهي تقول بتعجب:
“غريبه!!!”
#رواية_سدفة
بقلم آيه شاكر
خيم الصمت عليه وإكتسى وجهه بالحزن، كانت هي تتأمل قسمات وجهه الذابلة والباهتة، تنفست الصعداء وقالت مواسية:
“ربنا يشفيك… إن شاء الله تنام تاني وتقوم تلاقي نفسك فتحت…”
ارتسمت ابتسامة باهتة على محياة ولم يُعقب…
أشاحت بصرها عنه وصمتت هنيهه حتى بكى ذلك الصغير القابع أعلى ذراعيها فأخذت تربت على ظهره وتهزه بحنو، سألها بتعجب:
“إنتِ بتعملي إيه في المستشفى بالطفل ده!! وفي الوقت ده؟”
قالت:
“ماما محجوزه في المستشفى وأنا قاعده معاها… ولما أخويا عيط خرجت أشتريله أكل عشان ماما متقلقش لأنها لسه نايمه”
سألها باستغراب:
“وباباكي فين؟! وأهلك فين؟!”
أجابت:
“بابا مسافر بره مصر وخالو من القاهرة وهيجي بكره وأنا كبيره عشان كده قاعده مع ماما لحد ما خالو يجي”
قالت جملتها الأخيرة بنبرة متعالية وهي ترفع ذقنها لأعلى بثقة فابتسم من ثقتها تلك وتمنى لو يراها، قال:
“حقيقي إنتِ سابقه سنك”
ابتسمت من كلماته وهي ترفع ذقنها لأعلى بغرور فقد مدحها هذا الليل للتو، أخذت تلاعب الصغير على ذراعيها وتداعبه، وحين سمع ضحكاتهما اتسعت ابتسامته وكأنه يراهُما…
كانت تتأمله بدقة مطمئنة بأنه لا يراها، لم يكن وسيمًا للغاية لكن لإبتسامته الواسعة _التي كشفت اللثام عن أسنانه البيضاء_ جاذبية خاصة.
وبعد فترة سكت الصغير وسكن على ذراعها، وران الصمت بينهم ظلت تُطالعه لفترة ثم قالت بنصح:
“إيه رأيك تسيبك من طريق الدكاتره وتجرب طريقه تانيه للعلاج”
أطلق ضحكة كالزفرة وقال بنبرة مغلفة بالسخرية:
“وإيه بقا الطريقه التانيه!!”
قالت وهي تتأمله:
“جرب مثلًا تروح لشيخ يرقيك ”
صمت لبرهة يفكر بكلامها، فأردفت بلجلجة:
“أ… أ… أنا أسمع إن السحر والمس ممكن يعمي ويجنن ويمـ..وت كمان”
لم تلقَ منه ردًا فأكملت:
“أ… أنا ممكن أدلك على شيخ عندنا في البلد”
اتسعت ابتسامته وقال بامتنان:
“شكرًا ليكِ… بس أنا مبصدقش في الحاجات دي!”
شعرت بالإحراج وعم الصمت مرة أخرى وهي تنظر له تارة ولأخيها الصغير تارة أخرى، انتظرته كثيرًا ليتحدث ولم ينبس بكلمة وحين طال صمته ويأست أن ينطق بحرف أخر حاولت جذب انتباهه بفتح أي حوار فقالت بأسى وهي تُطالعه:
“لا حول ولا قوة الا بالله إنا لله وإنا إليه راجعون…”
أجفل ودب بعض الخوف في قلبه! فربما ظن أن الطفل الذي سكن صوته قد فارق الحياة! فتلك الجملة لا تُقال إلا في مصيبة ما! غضن حاجبيه وسألها بلهفة:
“فيه إيه!! مين اللي مـ..ات؟”
ابتسمت فقد أصابت هدفها وأثارت انتباهه، قالت بضحكات مكبوحة:
“متقلقش محدش مـ.ات…”
أسترسلت بجدية وهي تتأمل تأثير كلماتها على صفحة وجهه:
” دايمًا أسمعهم يقولوا كده لما يزعلوا تقريبًا الجملتين دول بيعالجوا حاجه جواهم”
أطلق ضحكة خافتة فقد علم أنها تجذب انتباهه بكلماتها تلك وبعد صمت طفيف قال ساخرًا:
“الجمله الأخيرة دي بتخليني أفقد الأمل وأستسلم لفكرة إني مـ.يت!”
قالت بضحك:
“ما هو كلنا هنمـ.وت في الأخر ونرتاح ”
قهقه ضاحكًا وسألها مقطبًا جبينه باستغراب:
“إيه التفاؤل ده على الصبح!… إنتِ عندك كم سنه لكل التفاؤل ده؟”
“أنا عندي ١١ أو ١٢ باين! مش متأكده… هو أنا في ٦ إبتدائي”
قال:
“كلامك سابق سنك!”
عدلت من جلستها وتجلى عليها الغرور وهي تقول باستفاضة:
“كلهم بيقولولي كده… وده لأني بقرأ كتير أوي… تعرف إن أنا حلمي أكون كاتبة… أنا كتبت قصص كتير لكن أنا بس اللي بقرأها تحب أحكيلك قصة من تأليفي؟”
لم يجب وصمت للحظات تألم وكأنها ضغطت على جـ.رحه فتجاهل عرضها وقال بأسى:
“أنا كمان كنت بقرأ كتير وبكتب لما… لما كنت بشوف…”
قالها ثم أرسل تنهيدة طويلة يبث من خلالها شجن قلبه، شعرت بحزنه فتمنت لو لم تقل تلك الجمله، ظلت تتأمله في سكون وهو مطأطأ رأسه لأسفل مغلقًا جفنيه بقـ.وة وكأنه يتمنى أن يفتحهما فيجد بصره قد عاد إليه.
وبعد فترة من الصمت فتح عينه ورفع رأسه، كانت تُحدق به وتتابعه بشفقة، حاولت انتشاله من ظلمة أفكارة فنظرت للسماء حيث أوشك ضوء النهار أن يبدد ظلام الليل و قالت متلعثمة:
“دلوقتي فيه خليط من النور والضلمة أول مره أشوف النهار وهو بيطلع”
ارتسمت ابتسامة باهتة على محياة لعفويتها تلك، وأدرك بأنه لابد أن يرحل الآن…
“يا لها من سَدَفة رائعة”
قالها الصبيّ بابتسامة وهو ينهض ببطئ….
******
إلى هنا وتوقفت «نداء» عن قراءة ما خطته بيمينها قبل خمسة أعوام، فتاة في منتصف عقدها الثاني تجلس أعلى مكتبها الخشبي تُطالع سقف غرفتها وهي تتسائل هل كان صبيًا حينها أم كان فتى بالغ! فصوته بدا خشنًا ورجوليًا!!
أغلقت دفترها وتنهدت بحيرة فعلى ما يبدو أن تلك الروايه لن تكتمل أبدًا كسالفيها فلم يسبق لها أن أكملت قصة قط!
نزلت عن سطح المكتب وهي تفتح أدراجه المكتظة بالأوراق والتي تحوي قصص بلا نهايات كانت تقرأهم بين فترة وأخرى تضيف كلمات وتحذف أخرى ثم تُعيد الأوراق مكانها في حيرة، دائمًا تقول لنفسها بأنه يجدر بها أن تتخلى عن الكتابة للأبد!
جلست على المقعد واستندت بمرافقيها على سطح المكتب ونكست رأسها بينهما وهي تتذكر تفاصيل ذلك اليوم، لم تنسَ ملامح من وصفته بـ الصبيّ وكثيرًا ما بحثت عنه في وجوه الناس أثناء سيرها في الطرقات تتمنى لو تراه فتُعيد له ذلك الأنسيال الذي وقع منه حينها! لكنها لم تلتقِ به حتى الآن! كانت تتسائل كل يوم تُرى هل عاد له بصره؟!
اعتدلت في جلستها وعادت تفتح دفترها لتقرأ ما كتبته للمرة التي لا حصر لها وعدلت بعض الألفاظ، كم تتمنى لو تُنهي تلك الرواية! تتمنى أن تُنجز أي شيء في حياتها حتى ولو رواية!
حاولت إطلاق العنان لمخيلتها لتكتب لكنها فشلت! حتى أنها لم تختر لروايتها اسمًا حتى هذا الوقت!
عادت تغلق الدفتر بعنـ..ف وهي تحدثه قائلة بعصبية:
“تبًا لك”
كان الوقت بعد الفجر والجو يتهيأ لصباح يوم جديد من منتصف شهر يناير.
استلقت على فراشها وحملت هاتفها السامسونج الأبيض القديم والمُتهـ..الك كان حجمه أصغر من كفها الصغير! فقد أعطاها والدها ذلك الهاتف بعد إلحاح من والدتها لتطمئن عليها وهي بالدروس!
كانت تستحي أن تُظهره أمام أصدقائهما كي لا يسخرون منها وحين تود مُهاتفة والدتها أو والدها تقف في جانب بعيد كي لا يراها أصحابها وكأنها تسرق!! وحين طلبت من والدتها هاتف أخر بررت لها أن والدها يخشى عليها من كل شيء حتى الهاتف!
أحقًا يخاف عليها؟! بالله كيف! ألا يحق لها أن تواكب العصر الحديث! كان أصدقائها يحملون من الهواتف الذكية أحدثها ويتحدثون دائمًا عن وسائل التواصل الإجتماعي وهذا العالم الأخر والإنترنت وهي لا تفقه لما يقولون معنى! فقط كانت تسمع وتهز رأسها وكأنها تفهم! فقد ابتليت بأبٍ بخيل! فهكذا ترى والدها دائمًا…
فتحت هاتفها وهي بقمة غيظها وأخذت ترص مجموعة من الأرقام جوار بعضهم وهي تتأكد من عددهم… ترددت أن تطلب الرقم الذي لا تعرف صاحبه أو صاحبته فهي تفعل هذا كل فترة وكأنها تُعاند والدها وتحكماته وخوفه الغير مبرر!
وقبل أن تضغط زر الإتصال فتح أخوها الصغير _الذي يستلقي على الفراش المقابل لها_ عينه.
إنه «نادر» طفل بالسابع من عمره أصم وأبكم، ملامحه تشبه ملامحها، فهو مسؤليتها منذ أن كان رضيعًا، فعلت الكثير لأجله وأخر شيء أنها تعلمت لغة الإشارة ثم علمته إياها ليستطيع الجميع التواصل معه…
ابتسم لها فاتسعت ابتسامتها ودنت منه تُُقبله بين عينيه بحنان وتحثه أن ينام فمازال الوقت باكرًا والجو باردًا، سألها بالإشارة: “ماذا تفعلين؟!”
أجابته بالإشارة أنها كانت تذاكر فاومأ بتفهم وعاد يغلق عينيه وهي تربت على جسده بحنو حتى نام مجددًا.
ابتسمت وهي تتأمله للحظات ثم وقفت لتطفئ ضوء الغرفة…
نظرت للرقم على شاشة الهاتف وأطلقت تنهيدة حارة وهي تفكر في مصيره! هل تطلبه أم تخلد للنوم!؟
بقلم آيه شاكر
استغفروا♥️
★★★★★
دلف للبيت وصك الباب خلفه في هدوء وهو يردد أذكار الصباح، إنه كهل يعلو الشيب رأسه؛ شعرٌ أبيض ولحيةٌ قصيرة بيضاء بدا وكأنه في نهاية عقده السادس، وجهه القمحي المستدير يتجلى الصلاح على قسماته، قامته متوسطة وجسده ممتلئ.
نظر الأب لأرجاء البيت الذي عمه بالهدوء وكانت إضائته خافتة للغاية؛ بيت واسع يحوي ثلاث غرف بالطابق الأرضي ومطبخ واسع وردهة مكتنزة يقع بمنتصفها درجات سلم يؤدي لردهة واسعة تضم ثلاث غرف أخرى وكل غرفة تضم مرحاض خاص بها…
حين رأى الضوء ينبعث من غرفة ابنه الأكبر اتجه صوبها وطرق بابها عدة مرات حتى سمع صوت ابنه:
“ادخل يا بابا”
فتح الباب وطالعه الشاب الذي يرتدي معطفه البيتي بابتسامة قائلًا:
“اتفضل يا بابا صباح الخير يا حبيبي”
“صباح النور يا رائد…”
جلس الكهل على المقعد وأردف:
“إيه هتنام ولا هتعمل ايه؟!”
سحب رائد مقعد ووضعه قبالة والدة «دياب» وقال متنهدًا:
“شويه كده وهنام أصل أنا شغلي هيبدأ بكره الظهر فعايز أنام لحد الظهر”
ارتفع رنين هاتف «رائد» فطالع شاشته وألقاه جانبًا في حين سأله والده:
“مين اللي بيرن عليك في الوقت ده؟!”
“أنا عارف حد بيعاكسني ولا إيه!!”
قالها رائد بابتسامة ساخرة وهو يُطالع والده الذي ابتسم هو الأخر وأطلق تنهدة يبث خلالها حنين ينغز شغاف قلبه.
عاد «دياب» برأسه للخلف وكأنه يعود بشريط الذكريات للوراء وقال مبتسمًا:
“فكرتني بالذي مضى”
مصمص شفتيه واستطرد:
” أبوك ده كان دنجوان كنت كل يوم بالليل لما جدك وجدتك يناموا أخد التلفون الأرضي وأقعد أطلب أرقام معرفهاش مره ترد عليا ست عجوزه ومره راجل يهزقني ويا سلام لما كانت ترد عليا بنت صوتها ناعم كانت تبقى السهره صباحي”
مال رائد بجزعه قليلًا نحو والده وهو يهز عنقه قائلًا بابتسامة:
“اه من دنجوان الثمانينات اه… يابا استر على نفسك يابا”
قالها رائد وقهقه بصخب وشاركه والده الذي سعل من كثرة الضحك وسرعان ما كبح ضحكاته واضعًا سبابته أمام شفتيه أن صه كي لا يستيقظ باقي أفراد البيت، هب دياب واقفًا وهو يقول بجدية:
“يلا أنا هدخل أتدفي شويه تحت البطانية على ما الشمس تشرق عشان أروح أفتح المحل”
وقف رائد وأشار بيديه وكأنه يقدم والده بحركة مسرحية وقال وهو يمكن كلماته:
“اتفضل يا دنجوان”
أطرق والده رأسه وهي يتنحنح بقـ..وة ويخرج من الغرفة مبتسمًا…
ضحك «رائد» وهو يفكر بكلام والده ثم استغفر ربه ورفع كلتا يديه لأعلى في وضع الدعاء مرددًا بهمس وبمرح:
“اللهم لا تؤاخذني بما فعل أبي”
«رائد» شاب في عقده الثالث بشوش الوجه، مألوف الملامح، بشرته خمرية صافية يتخللها بعض الحمرة التي تزيده جاذبية، نحيل وطويل، أنهى دراسته بكلية التربية الخاصه ويعمل أخصائي تخاطب بإحدى المراكز الخاصة…
حدق «رائد» بهاتفه وفتح تطبيق “أبلكيشن” اعتاد أن يكتب عليه حكم وخواطر ومؤخرًا رواية…
تصفح الملفات سريعًا حتى أبصر عنوان الرواية التي لم يُكملها بعد فابتسم حين جال في رأسه خاطرة كتب أول حرف وقبل أن يُكمل باغته رنين هاتفه بنفس الرقم مجهول الهوية، أجاب:
“السلام عليكم… ألووووو”
بقلم آيه شاكر
لا حول ولا قوة الا بالله 🌹
★★★★
كانت «نداء» مستلقية على ظهرها تغطي جسدها بالكامل حتى رأسها وتضع الهاتف على أذنها وحين سمعت صوته الرجولي ترددت أن تجيب فقد ظنت أنها ستكون فتاة كالعادة أو ربما سيدة كبيرة تتسلى معها لبعض الوقت…
“الووووو”
ارتفعت دقات قلبها وشعرت بحرارة تخرج من جسدها رغم برودة الجو فأزاحت الغطاء عن وجهها وكادت أن تُغلق الخط ولكن باغتتها عطسة، فقال:
“يرحمكم الله”
ردت بتلقائية:
“يرحمنا ويرحمكم الله”
أجفلت وعضت لسانها من سذاجتها تلك، أردفت تسأله بدون تفكير وبارتباك:
“هو… د…دا… دا درس مستر أحمد؟!”
نظر في ساعة يده وقال بغلظة:
“لأ والله الرقم غلط!”
قالت بنبرة مرتعشة:
“مـ… ماشي… و… ومين حضرتك بقا؟!”
قال بنزق:
“ما قولنا مش درس مستر أحمد والرقم غلط!”
قالت بفلسفة:
“تعرف إن مفيش حاجه بتحصل في حياتنا اسمها بالغلط أو بالصدفه كل حاجه محسوبه بدقه يعني كل شخص قابلته في حياتك بالغلط أو بالصدفه ليك معاه قصه ممكن تكملها وممكن تكون انتهت وإنتِ مش عارف!”
لا يدري كيف أن فلسفتها تلك تشبه الفكرة التي جالت بخاطره مع اختلاف الألفاظ! استلقى على سريره وقال بابتسامة:
“كلامك يكاد يكون منطقي!”
عادت تغطي وجهها مرة أخرى وسألته بمكر:
“إسمك إيه بقا؟!”
تنفس الصعداء وقال:
“معاكِ رائد دياب العقيد”
قالت بابتسامة ساخرة:
“رائد ولا عقيد يا دياب باشا متلغبطناش لو سمحت”
ضحك وضحكت بخفوت أثر ضحكاته، وقاطع ضحكاتها انفتاح باب غرفتها ودخول والدها….يتبع…
لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا
لقراءة باقي حلقات الرواية اضغط على : (رواية سدفة)

اترك رد