روايات

رواية ضبط وإحضار الفصل الثالث 3 بقلم منال سالم

رواية ضبط وإحضار الفصل الثالث 3 بقلم منال سالم

رواية ضبط وإحضار البارت الثالث

رواية ضبط وإحضار الجزء الثالث

ضبط وإحضار
ضبط وإحضار

رواية ضبط وإحضار الحلقة الثالثة

حينما نامت في ميعادها، غطت في نومٍ عميق، فكان حلمها حافلًا بالكثير والكثير من الأحداث المتداخلة، لم تستطع تذكر أيًا من تفاصيله سوى ذلك الجزء الذي تضمن وجوده فيه، حيث كانت تقف في نفس المكان بالنادي المزدحم، وتقذفه وسط الحضور بالبيض وهي تضحك في سخرية صريحة، وإذ فجـــأة انطلق مندفعًا تجاهها كالثور الهائج، فهرولت ركضًا لتفر من أمامه؛ لكن خطواتها كانت تتثاقل رويدًا رويدًا كلما حاولت الابتعاد عنه.
لم تستطع “بهاء” الصراخ عندما أمسك بذراعها، استدارت لتلكمه في وجهه، فأمسك بقبضتها قبل أن تصل إليه، ليقوم بتقييد حركتها، فأصبحت غير قادرة على الفكاك من بطشه الأكيد، وعندما فتحت فمها لتصرخ مستغيثة بأحدهم وجدته يسده ببيضة مسلوقة، لتنحشر أنفاسها وتسعل في صدمة أعجب، ثم رأت ذراعه تلتف حول خصرها ليرفع جسدها عن الأرضية، ويلقي بها على كتفه، ثم سار حاملًا إياها نحو منطقة مجهولة وهي تحاول مضغ وابتلاع البيضة ذات المذاق المرير لتتمكن من الصياح طالبة للنجدة.
سمعت صوته يتوعدها:
-أنا هعملك عجة!
حاولت الانزلاق من على كتفه؛ لكنه ظل متشبثًا بها، فأخذت تهتف، وبقايا البيضة الممضوغة تتقاذف من فمها:
-عجة مين؟ سيبني يا (…).
انفلتت منها صرخة قوية عندما وجدته يلقي بها في المسبح الذي تحولت مياهه إلى بصلٍ ودقيق ممزوج بالبيض المخفوق والفلفل الأسود، لتشعر بنفسها تغرق في هذا السائل اللزج. آخر ما أبصرته قبل أن يعم الظلام من حولها كان قيامه بإلقاء البقدونس على الخليط، كل ما شغل تفكيرها لحظتها هذا السؤال الغريب: كيف سيقوم بإشعال النيران من أسفل المسبح المتسع، أم أنه يوجد بالفعل موقدٌ تحته وهي لم تتمكن من رؤيته؟!
استيقظت “بهاء” من حلمها المريب وهي شبه تلهث، وتشعر أيضًا بجفافٍ شديد في حلقها، استغرقها الأمر عدة لحظات حتى تستوعب أنها عايشت كابوسًا عجيبًا، لا يمكن أن يحدث إلا في خيالها المرهق، تفلت على يسارها، ثم اعتدلت بعدئذ في رقدتها، وهمهمت مع نفسها باندهاشٍ:
-هو في إيه؟
مدت يدها لتمسك بهاتفها المحمول، تفقدت الوقت فوجدته لا يزال مبكرًا على موعد استيقاظها الفعلي، لذا تركت الهاتف جانبًا، وفركت عنقها برفقٍ، لتسمع زئير معدتها وتقلصها، فخفضت من يدها لتتحسس بطنها الجائع. بنظرة عامة بحثت عن شيءٍ تتناوله لتسد جوعها أولًا، وأيضًا لتخفف من حدة المرارة الموجودة في جوفها، لم تجد أي شيءٍ على الكومود أو في الدرج بغرفتها، لهذا نهضت من على الفراش بتكاسلٍ، واتجهت في خطواتٍ شبه زاحفة إلى المطبخ.
فتحت الثلاجة، وأمسكت بزجاجة المياه لتشرب القليل، قبل أن تخرج من الرف العلوي قالب الحلوى الذي صنعته لها زوجة عمها في وقتٍ سابق. التقطت شوكة معدنية من أحد الأدراج المخصصة للاحتفاظ بأدوات الطهي، وقضمت جزءًا من طرف القالب الشهي، لتدسه في فمها وهي تخاطب نفسها:
-مش متفائلة خير.
بلا استعجالٍ فرغت من تناول القالب بأكمله، وتركت الصحن المتسخ في حوض الغسيل مع الشوكة، ثم سارت نحو الخارج لتعود إلى غرفة نومها وهي تأمل ألا تستأنف باقي هذا الحلم العجيب حينما تستكمل ساعات نومها المتبقية.
…………………………………….
في كثير من الأحيان يحتاج الاعتياد على الاستيقاظ مبكرًا إلى بعض الوقت حتى يتأقلم الجسد والعقل معًا على التغييرات التي تطرأ على كليهما دفعة واحدة، لهذا أجبرت “بهاء” نفسها على تغيير نمط نومها قبل عدة أيامٍ، لتتمكن من الاستفاقة في موعدها دون أن يصيب رأسها ذلك الصداع المزعج، فتُبقي على حالتها النشطة حتى انقضاء يومها الدراسي الأول في المعهد.
كما تعودت، ارتدت ثيابًا رسمية، تناسب من وجهة نظرها تواجدها في مكانٍ كهذا يعج بأفضل الشخصيات ذكاءً وتفكيرًا، لهذا فضلت ارتداء بدلة كحلية اللون من أسفلها وضعت قميصًا من اللون الأبيض، مع حذاءٍ جلدي يحمل نفس درجة لون حلتها، وذي كعب قصير، أما تسريحتها فلم تختلف كثيرًا عن المعتاد، كانت خصلاتها منضبطة، مجموعة في كعكة محكمة في منتصف رأسها، إلا من خصلتين انسابتا على صدغيها.
ألقت نظرة أخيرة على هيئتها في المرآة، لدهشتها تنشطت ذاكرتها بهذا الحلم العجيب، فطرحته عن عقلها مرددة مع نفسها:
-أل يعملني عجة أل!
هزت رأسها في إنكار، وراحت تراجع أشيائها في تعجلٍ، قبل أن تفتح الباب وتخرج من منزلها.
…………………………………….
كانت “بسنت” في انتظارها أسفل بنايتها لتذهبا معًا إلى هناك، على عكس رفيقتها المفعمة بالنشاط والحيوية، كانت تتثاءب وتشعر بثقلٍ في رأسها، فقد ظلت مستيقظة حتى مطلع الفجر تقريبًا، تكافح لاستدعاء سلطان النوم؛ لكنه عاندها، وتركها في أوج يقظتها، مما انعكست آثار قلة حصولها على قسطٍ وافر من النوم على تركيزها في وقت النهار. ألقت “بهاء” التحية عليها وهي تستقر جالسة بجوارها، نظرت إليها بإمعانٍ وسألتها:
-مالك؟
وضعت يدها على فمها لتخفي تثاؤبها الواضح، ثم أجابتها في صوتٍ شبه ناعس:
-محتاجة شوب كبير قهوة علشان أفوق.
ابتسمت ساخرة منها، لتخبرها:
-ما أنا قولتلك حاولي تظبطي نومك، بس إنتي ماسمعتيش كلامي.
زمت شفتيها قائلة بتذمرٍ عابس:
-هو أنا لسه في مدرسة علشان أنام بعد العشا؟
أتى ردها جادًا وهي تنظر أمامها:
-خلاص استحملي بقى الصداع طول اليوم.
تمطت “بسنت” بكتفيها، وقالت وهي تدير محرك السيارة تمهيدًا لتحريكها:
-دلوقتي لما أشرب القهوة هفوق.
أمرتها رفيقتها في لهجةٍ جمعت بين الجد والهزل:
-طيب دوسي بنزين شوية بدل ما نتأخر على أول يوم لينا، ويطردونا.
ابتسمت قليلًا، واستطردت وهي تهز رأسها بخفةٍ:
-ماشي يا أبلة الناظرة.
…………………………………..
تباعًا توافد المشتركون في الدورة التدريبية على قاعة الدراسة، وبدأوا في اختيار أماكن جلوسهم دون استباقٍ، أثرت “بهاء” الجلوس في المنتصف، بينما فضلت “بسنت” الجلوس في المؤخرة لتتمكن من الإغفاء –إن شعرت بالنعاس- دون أن يلاحظها أحد؛ لكنها أُرغمت على البقاء مجاورة لرفيقتها لتستأنس بوجودها، ولتثرثر معها في الخفاء إن اعترتها الرغبة لفعل ذلك.
رتبت “بهاء” ما معها من أدوات، ووضعت مفكرتها على سطح طاولة مقعدها، لتبدو متأهبة للبدء في أي لحظة. نظرت بأنفٍ مرفوع للأعلى نحو محاضرهم الذي ما زال إلى الآن يوليهم ظهره، وحين استدار ليطالعهم بنظرة عامة شاملة، لن تنكر أنه فاجأها، فبذلت قدرًا من الجهد لتبدو غير متأثرة بصدمة كونه المسئول عن التدريس لها، وصوتٌ في عقلها يردد:
-هو الحلم اتفسر ولا إيه؟
تنشط عقلها بالمشهد العبثي لحلمها غير المنطقي، فراحت تقول بلا صوتٍ:
-الظاهر هتعمل عجة النهاردة!
في البداية قام “عمر” بتعريف نفسه بعدما شبك يديه خلف ظهره ليبدو منتصبًا في وقفته:
-مع حضراتكم الرائد “عمر الناغي”، خريج كلية الدفاع الوطني، مُحاضر هنا في الأكاديمية…
قال كلمته الأخيرة وهو ينظر تحديدًا إلى “بهاء” التي خفضت من رأسها قليلًا لتتحاشى نظرته المصوبة ناحيتها. سمعته يواصل الكلام بنفس النبرة الثابتة:
-طبعًا هدي لحضراتكم فكرة سريعة عن طبيعة المكان هنا، للي مش عارف منكم أهمية الدراسة في الأكاديمية دي تحديدًا.
لم تقل صدمة “بسنت” عن رفيقتها، ومع ذلك فشلت في إخفاء أثرها على ملامحها، فتدلى فكها للأسفل واختطفت نظرة جانبية سريعة نحوها، اندهشت لكونها تظهر بحالة الجمود تلك، وكأن وجوده من عدمه لا يشكل فارقًا معها. ظل “عمر” يتحدث متعمدًا رفع نبرته نسبيًا ليلفت انتباه من ظهر عليها التشتت بتعابيرها ونظراتها المذهولة:
-احنا بندي دورات متخصصة في إدارة المؤسسات، وفهم هيكل الدولة، ودراسة الأزمات على المستوى المحلي والدولي وكيفية إدارتها، وطبعًا الأمن القومي، والصراعات الدائرة في الوقت الحالي.
لم تتمكن “بسنت” من منع لسانها من التعليق، فمالت إلى حدٍ ما للجانب نحو رفيقتها تهمس لها:
-شايفة مين هيدرسلنا؟
أجابتها “بهاء” باقتضابٍ، ودون أن تدير وجهها:
-أيوه.
سألتها في صوتٍ عكس توترها:
-طب إيه؟
ابتلعت رفيقتها ريقها، وردت في صوتٍ خافتٍ للغاية، يحمل التحذير:
-هنتكلم بعدين، بدل ما ياخد باله، لأنه من الواضح مركز معانا احنا بس.
رمشت “بسنت” بعينيها في ارتباكٍ مشوبٍ بالقلق، وهسهست في نبرة بالكاد تُسمع:
-ربنا يستر.
تحرك “عمر” من موضع وقوفه، وبدأ في التجول بين مقاعد طلابه قائلًا في مزيدٍ من الإيضاح:
-الدورات دي مش بس لكبار موظفين الدولة، لكن بنقدمها برضوه للمدنيين، بحيث يكونوا مؤهلين لتولي مناصب قيادية في أي مكان وفي أي مؤسسة، المميز كذلك عندنا إنه بيتم ترشيح المتفوقين للحصول على منح للدراسة بالخارج.
توقف عن السير ليكون في مواجهة “بهاء”، فاضطرت لتنظر إليه، وطيف كابوسها المزعج يتأرجح في عقلها، سدد لها نظرة قوية، وغامضة، قبل أن يستأنف شرحه، وكأنه يوجهه لها على وجه الخصوص:
-أهم شيء لازم تكونوا واثقين منه، إننا بنتعامل مع الجميع على حد السواء، بمعنى لو كنت خريج كلية عسكرية أو مدنية، فالمعاملة بالتساوي، اللي بيميزك عن غيرك هو تفوقك الدراسي ومدى تحصيلك العلمي، مش المحسوبية ولا الواسطة، ولا حتى طولة اللسان وفرد الفضلات.
لحظتها ضاقت نظرة “بهاء”، خاصة مع حدسها القوي بأنه يقصدها شخصيًا بعبارته الموحية. ما إن انتهى “عمر” من جملته الأخيرة حتى تحرك مبتعدًا عنها ليكمل سيره نحو الخلف هاتفًا:
-كمان الأكاديمية بتتميز عن غيرها بأنها من أعلى المراكز العلمية للدراسة والبحث.
توقف عند مؤخرة القاعة الدراسية، وأكمل وهو يجول ببصره على الجالسين:
-فأتمنى تقدروا تستفيدوا من كل لحظة إنتو موجودين فيها هنا.
أُديرت معظم الأعنق مع حركته ليتابعوا ما يقول، فأشار لهم بيده نحو الأمام مستطردًا:
-طبعًا مش أنا لواحدي اللي هدرسلكم، في معايا أساتذة متخصصين، كل واحد مسئول عن مادة بعينها…
بالطبع كان “أنس” يبدو متباهيًا في وقفته، رغم أمارات الحنق الظاهرة في نظرته المسلطة نحو “بهاء”، قرأت الأخيرة مغزاها بوضوح، ولم تبدُ مرتاعة منه، بل على العكس رأت أنه يستحق التوبيخ والعقاب لقيامه بخداع صديقتها واستغلالها بتبجحٍ، شتت نظراتها الناقمة عنه عندما وقف “عمر” بجوارها مرددًا، وشبح ابتسامة قد لاح على زاوية فمه:
-وده بجانب التدريب العملي اللي تم دمجه بشكل استثنائي في الدورة دي تحديدًا، بحيث يكون ليه نفس الأهمية زي الجانب النظري.
مرة ثانية مالت “بسنت” نحو رفيقتها هامسة لها:
-مش مرتاحة لحوار التدريب ده، وخصوصًا لو هما اللي ماسكينه.
أيدتها في شعورها القلق مرددة بنبرة مماثلة في خفوتها:
-ولا أنا، شكلنا هنتطحــــن أو هيتعمل مننا عجـــة!
عاد “عمر” إلى موقع وقوفه الأول، مسح بنظرة عامة وجوه المتطلعين إليه، ثم ابتسم قليلًا قبل أن يقول:
-كل التوفيق ليكم.
تلقائيًا قام الجميع بالتصفيق إليه لإظهار استعدادهم للبدء في مشوار دراستهم الجديد، ما إن هدأ الصخب حتى أضاف:
-المحاضرة الأولى بعتبرها نوع من أنواع التعارف، باعتبار إننا هنكون أسرة واحدة طول الفترة الجاية.
استقام في وقفته، وتابع دون أن تخبت ابتسامته الصغيرة:
-هنبدأ بشكل أولي نسمع أسماءكم ووظائفكم ده لو كنتم بتشتغلوا، مش هقول سنكم علشان معانا سيدات وآنسات جايز يلاقوا ده محرج.
هتفت شابة من الخلف في شيءٍ من المزاح:
-العمر مجرد رقم يا فندم.
ضحك الجميع على طرفتها الخفيفة، فقام “عمر” بالتعليق عليها:
-بالظبط.
ساد جو من الألفة والودية أثناء تبادل المعلومات الأساسية بين الحاضرين، لتظهر “بهاء” أكثر تفاخرًا وهي تقدم نفسها:
-أنا “بهاء فودة”، خريجة الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا.
رد عليها بشيءٍ من العجرفة، وابتسامة مقتضبة تحتل زاوية فمه:
-تشرفنا.
تجهمت ملامحها، فانتقل ببصرها لرفيقتها متسائلًا، وكأن شأنها لا يعنيه:
-وحضرتك؟
سرعان ما سيطر التوتر على “بسنت”، فازدردت ريقها، وأجابته بصوتٍ مرتعش:
-أنا “بسنت” آ.. صاحبتها، وخريجة نفس الكلية.
أومأ برأسه متسائلًا:
-أهلًا، بتشتغلي؟
اختطفت نظرة سريعة نحو صديقتها العابسة، وأعطته جوابها:
-احنا .. الاتنين .. لأ.
مجددًا هز رأسه هاتفًا:
-أها.. تمام.
انزعجت “بهاء” من تفوه صديقتها بمثل هذه المعلومة الزائدة، والتي لم يكن لها أدنى داعٍ لتُطلعه عليها، سمعته يتكلم موجهًا حديثه إلى شابة أخرى:
-ممكن نتعرف على حضرتك يا أستاذة؟
أجابته متحمسة:
-أنا ….
صمَّت أذنيها عما يقول لتميل نحو “بسنت” تُحادثها في صوتٍ خفيض لكنه يشي بضيقها:
-إنتي شايفة بيكلمنا إزاي؟
ردت عليها في حذرٍ:
-أيوه.
لم تستطع “بهاء” منع نفسها من توبيخها، فأخبرتها بتحفزٍ رغم خفوت نبرتها:
-وإنتي لازم تنسحبي من لسانك وتقوليله إننا ما بنشتغلش؟
جاء تبريرها منطقيًا:
-طب ما احنا كاتبين ده في ورق التقديم!
ردت عليها بمزيدٍ من الضيق:
-أيوه، بس هو ما يعرفش.
همست بعينين ترفان بتوترٍ:
-ما احتمال يكون عارف من الورق.
جاء ردها منطقيًا:
-وإنتي إيه اللي يضمنلك؟ ده إذا كان لسه بيسأل عن أسامينا وكلياتنا، هيبقى عرف إزاي؟!
نظرت إليها بتحيرٍ، فما كان من “بهاء” إلا أن أنهت الجدال في هذه المسألة بقولها الواجم:
-عمومًا هنتكلم بعدين.
زمت شفتيها مغمغمة في إيجازٍ، وهذا القلق مسيطر على قسماتها:
-ماشي.
…………………………………
بدافع من الإحساس بالضيق منها، اتخذ “أنس” موقفًا عدائيًا تجاهها، فكان يتحين الفرص للتقليل من شأنها بأسلوبه التهكمي المستفز، ومع ذلك ظلت “بهاء” صامدة، متسلحة بقناع الجمود والثبات، لئلا تعطيه غرضه أو تشعره بلذة انتصاره مع استحقارها. جرى النقاش أولًا حول قضية قومية هامة؛ الأمن الغذائي، فاستمع الجميع إلى ما يتم تداوله بهذا الشأن من الأوساط الإعلامية المختلفة، ومن أراء عامة الشعب، عبر عرض عدة فيديوهات مرئية منتشرة مسبقًا على الساحة، ثم طُلب منهم ببساطةٍ تحديد أهم النقاط التي ستتمحور حولها محاضرة اليوم.
ظنت “بهاء” أنها قادرة على اختطاف الأنظار بأفكارها النيرة، ومقترحاتها المتفردة؛ لكنها تفاجأت بمدى الاستخفاف بآرائها، بل تكاد تجزم أنه يتم الاستهزاء بها في كل مرة تتجرأ فيها على النطق بشيء. لم تتوقع مثل هذه المعاملة الدنيئة من مُحاضريها، وكأن كلاهما يترصدان عن عمدٍ لكل شاردة وواردة تصدر عنها ليجعلاها في موضع سخرية دائم من الجميع، وبالتالي لن يأخذها أحدهم على محمل الجد حين تتحدث بجدية، حتمًا سيظن الأغلب أنها ليست أهلًا للثقة.
وجدت بشرتها مشبعة بحمرة ساخنة، وكأنها على وشك الانفجار، على قدر استطاعتها حاولت ضبط أعصابها، والتزام الهدوء تجنبًا لافتعال المشاكل من المحاضرة الأولى. ما لبث أن اعتراها الغيظ، وفاض بها الكيل، فلم تعد تتحمل المزيد، لذا تكلمت بملامحٍ ممتعضة، وبنبرة متجهمة حينما سألها “عمر” عن نقطة بعينها:
-أنا رأيي حضرتك ما تبقاش تسألني تاني بما إني واخدة دور الأراجوز هنا.
انتشرت همهمات ضاحكة على أسلوبها الساخر بين الجالسين، فعلق “أنس” من فوره محذرًا إياها بصراحةٍ صارمة:
-اتكلمي كويس، وخدي بالك إنتي فين!
توترت “بسنت” في جلستها، متوقعة حدوث الأسوأ، بينما التفتت “بهاء” ناظرة إليه، لتزجره قائلة باستنكارٍ:
-والله حضراتكم اللي من الأول مستقصديني…
توقفت لهنيهة عن الكلام، ثم رفعت حاجبها للأعلى قبل إصبعها لتهتف مهددة:
-وأنا هقدم فيكم شكوى طالما معندكوش أدنى معايير للتعامل بموضوعية مع الناس.
جحظت “بسنت” بعينيها في صدمةٍ، ومدت ذراعها لتمسك بمعصم رفيقتها تجذبها منه وهي تتوسلها في خوفٍ مبرر:
-“بهاء”! اهدي، ما ينفعش كده!
نفضت ذراعها لتحرر منها صائحة بحمئةٍ:
-وأظن الكل شايف طريقتكم معايا إزاي.
اخشوشنت نبرة “أنس” إلى حدٍ ما وهو شبه يعنفها:
-إنتي جاية تعملي بلبلة ومشاكل؟!!
تدخل “عمر” قائلًا وهو يمد ذراعه أمامه ليجبره على التزام الصمت:
-لحظة يا سيادة الرائد..
على مضضٍ كبير لاذ بالسكوت، فاستأنف باقي كلامه إلى “بهاء” يأمرها:
-من فضلك لمي حاجتك وأخرجي بهدوء، ولو عندك مشكلة نتكلم فيها بعد المحاضرة.
سددت له نظرة مشتعلة قبل أن ترد بهدير أنفاسها المتعصبة:
-أنا أصلًا مش عايزة أفضل هنا.
بحركاتٍ عصبية ومنفعلة لململت ما يخصها، واندفعت للخارج، لتقوم “بسنت” بإلقاء نظرة مرتاعة على وجه “عمر” مبدية اعتذارًا شديدًا له:
-أنا أسفة جدًا على اللي حصل، هي مش كده والله…
وكأن الكلمات قد فرت من طرف لسانها، فلم تستطع إضافة المزيد، لهذا جمعت متعلقاتها الشخصية سريعًا، واستأذنت بالذهاب:
-عن إذنكم.
أشار لها بيده لتنصرف، فهرولت ركضًا للخارج لتتبع رفيقتها، ليستطرد بعدها “عمر” مخاطبًا الجميع بعد حمحمة خشنة، متجاوزًا ما حدث:
-نرجع تاني لموضوعنا، ونسمع مقترحاتكم.
بدا “أنس” منتشيًا لكونه قد نجح في استفزازها، بل ودفعها للانسحاب قبل أن تنتهي أول جولة معها، دون أن يندم للحظة أو حتى يعبأ بنتائج تحامله الواضح عليها.
…………………………………….
استحوذ عليها غضبها الأهوج، وصارت فاقدة كليًا للسيطرة على انفعالاتها المستثارة، فخرجت من القاعة الدراسية تبرطم بكلمات مبهمة تنم عن غيظ جم ومكبوت. لحقت بها “بسنت”، أرادت أن تخفف من شعورها بالكرب، لذا تكلمت إليها في نبرة متعاطفة حذرة:
-“بيبو”، اهدي يا حبيبتي.
نفخت “بهاء” بصوتٍ مرتفع، فاستمرت رفيقتها تقول:
-مافيش داعي للعصبية دي كلها.
خرج صوتها كصيحة صراخ عندما اشتكت لها:
-يعني مكونتيش شايفة بيتعاملوا معايا إزاي؟!!
ضغطت “بسنت” على شفتيها في ترددٍ طفيف، وعلقت بتريثٍ:
-بصي هي نقاشات ما بينكم، واختلاف في وجهات النظر، مالوش لازمة نكبر الحكاية، وخناقات وشكاوي وآ…
استنكرت ما وصفته بتحيزها الأعمى ضدها، ووبختها بشدة:
-يا سلام، إنتي مصدقة نفسك؟
حاولت أن تبرر لها؛ لكنها أشارت لها لتصمت مؤكدة بتصميمٍ:
-هو الموضوع كبر خلاص، وأنا مش هسيب حقي…
ظهر التهكم في عينيها جليًا قبل نبرتها وهي تكمل جملتها في نفس التشدد المنفعل:
-وخصوصًا لما حد يحطني في دماغه ويستقصدني.
كان من الأفضل حاليًا ألا تتجادل “بسنت” معها، ففضلت أن تبقى محايدة، وسألتها:
-طب ناوية تعملي إيه؟
أجابتها في التو:
-هعمل فيه شكوى رسمي، وهسيبله الجمل بما حمل، بس قبلها هخليه يبطل الشغلانة.
برزت عيناها في ذهولٍ، وراحت تسألها في صدمة:
-ليه كده بس؟
أولتها ظهرها لتندفع سائرة للأمام وهي تخاطبها بلهجةٍ آمرة:
-ما تتكلميش معايا دلوقت.
تيقنت أنها لن تتراجع مطلقًا عن تنفيذ ما جال بخاطرها، ولم تكن لتتركها بمفردها، لذا تبعتها هاتفة:
-استنيني طيب.
ركضت خلفها وهي ترجو الله في نفسها أن تتريث، وألا تدع لحظة من الغضب الأعمى تدفعها نحو ارتكاب المزيد من الأخطاء.
…………………………………………..
اعتقدت اعتقادًا جازمًا أن سكوتها عن المهانة التي تعرضت لها سيسمح بالمزيد من التجاوزات المسيئة مستقبلًا، إن لم يكن معها، فمع غيرها ممن يعجزون عن الرد أو يفتقدون للشجاعة عند المواجهة. من هذا المنطلق توجهت إلى مكتب المسئول عن إدارة هذه الأكاديمية، والتقت بسكرتير مكتبه، تاركة رفيقتها تنتظر في الخارج. بدا وجه “بهاء” يشع بغضبها وهي تستعلم منه عن إمكانية مقابلته، فأخبرها الأخير بنبرته الرسمية:
-أولًا لازم يكون في ميعاد سابق، ثانيًا سيادته مش موجود دلوقت.
سألته بأنفاسها المنفعلة:
-طب هيرجع إمتى؟
قال بنفس الروتين الرسمي:
-معنديش فكرة.
بالكاد كظمت غيظها في نفسها، وغادرت الغرفة لتتفاجأ بـ “عمر” ينتظرها في الخارج، مرتكنًا بظهره على الحائط، وعلى وجهه هذا التعبير الساخر. في التو أبدت “بسنت” جهلها بنواياه قائلة:
-أنا ماليش دعوة بيه.
سرعان ما التفتت “بهاء” ناظرة إليه لتحدجه بهذه النظرة النارية، فقابلها بهدوئه المستفز، بينما ارتسمت ابتسامة صغيرة على زاوية فمه وهو يبادر بالحديث إليها:
-مكونتش فاكر إن نفسك قصير كده!
كانت فاقدة للسيطرة على مشاعرها المنفعلة، فصرخت في وجهه:
-إنت عايز مني إيه؟
اعتدل في وقفته، وانتصب بكتفيه، ثم نظر في عينيها قائلًا بتمهلٍ:
-أولًا الصوت العالي مش مسموح بيه هنا…
احتقن وجهها أكثر من عجرفته الظاهرة في طريقة تعامله معها، رأت سمة الغرور تنعكس على ملامحه حين تابع:
-وثانيًا أنا عايز ننهي أي…
لم تمهله الفرصة لمواصلة حواره، فقاطعته بحدةٍ مهددة إياه:
-قبل ما تكمل كلامك، أنا هعمل ضدك شكوى رسمية، والتدريب ده مش عايزاه، بناقص منه.
تطلع إليها للحظاتٍ، ثم استطرد معقبًا بهدوءٍ:
-براحتك، دي مصلحتك، أنا مش هكون أدرى بيها منك.
انتفخت عروق وجهها من بروده، فاستمر يقول في نبرة هادئة رزينة، لا تشوبها شائبة:
-وبالنسبة للشكوى حقك، أظن محدش منعك.
زوت ما بين حاجبيها في دهشةٍ، وسألته في رنة متعصبة قليلًا:
-إنت مش قلقان إن ده يأثر عليك؟
أجاب بشيءٍ من التفاخر:
-متعود على كده.
رفعت حاجبها للأعلى، فأوضح لها ما بدا غامضًا:
-في كتير بيعملوا شكاوي علشان يتعرفوا عليا، يعني زي ما بيقولوا كده أسلوب جديد للمعاكسة.
برقت عيناها ذهولًا، فابتسم لكونه قد نجح في مكرٍ لتغيير مجرى الحوار بينهما لأمرٍ آخر، لهذا واصل الحديث على نفس المنوال:
-ما إنتي بنت وفاهمة الأساليب دي كويس، فأنا مش هستغرب لو عملتي زيهم.
فغرت فمها للأسفل في دهشةٍ من تفسيره العجيب، لتحتج بعدها باستنكارٍ:
-إنت بتهزر؟ أنا هعاكسك إنت؟ بأمارة إيه؟
أجابها بقدرٍ من الغرور المغيظ لها:
-واحد عازب، بشتغل، شكلي وسيم، وبنات كتير نفسها ترتبط بيا.
قطبت متسائلة في استهجانٍ:
-وأنا هكون منهم يعني؟
ابتسم في لؤمٍ قائلًا:
-إنتي أدرى..
قبل أن تفكر في الاحتجاج عليه، همَّ بالتحرك مرددًا:
-عمومًا أنا مشغول، ووقتي مش ملكي، شوفي هتعملي الشكوى امتى وعرفيني…
وضع يديه في جيبي بنطاله، وسدد لها نظرة مستخفة قبل أن يكمل بما استفزها:
-ويا ريت لو هتمشي يكون من دلوقت، ماحبش يكون في شخص جبان في مجموعتي.
في التو اندفعت تجاهه لتعترض طريقه صائحة بضيقٍ:
-على فكرة أنا مش جبانة، وأقدر أواجه أي حد مهما كان مين.
عقب في استهزاءٍ مبطن وهو يرمقها بنظرة شملتها من رأسها لأخمص قدميها:
-واضح فعلًا.
لوحت له بسبابتها مرددة بصوتها المتشنج:
-طيب هتشوف، أنا هفضل في التدريب ده، وهعمل الشكوى برضوه، وأنا مش بعاكس.
قابل عصبيتها ببرودٍ، ليخبرها مبتسمًا بسخافة:
-منتظرك يا أستاذة…
رمقته بنظرة متحدية تحولت في غمضة عين للاستنكار عندما تابع:
-بس يا ريت أكون بتعامل فعلًا مع ناس أد كلمتها، مش عيال، عن إذنك.
اشتعلت غيظًا منه، وتجمدت في موضع وقوفها ليتجاوزها مغادرًا المكان. في تلك الأثناء كانت “بسنت” متوترة للغاية أثناء متابعتها لحوارهما، أبت ألا تتدخل على أمل أن يتمكنا في النهاية من حل خلافهما بأسلوبٍ ودي متحضر؛ لكن يبدو أن أمنيتها الحالمة قد ذهبت أدراج الريح، لهذا عاتبت صديقتها عندما انصرف “عمر” في لومٍ صريح:
-“بهاء”! إنتي غاوية مشاكل؟!!
بوجهٍ متصلب، ونظراتٍ غائمة، أخبرت رفيقتها في عنادٍ عظيم:
-مع النوعية دي، أيوه، أنا بدور على المشاكل.
انتقدتها بشيءٍ من التحذير:
-ولما الحكاية تكبر وتتعقد وعمك يعرف؟ وإنتي عارفة إنه بيخاف عليكي من الهوا الطاير، ساعتها هتتصرفي إزاي؟!!
ردت بعد زفرة سريعة:
-هو اللي ابتدى.
أوضحت لها بجديةٍ:
-ما تنسيش احنا عملنا فيه إيه، ولحد دلوقت هو ماردش علينا.
قالت معترضة في تعصبٍ:
-وإنتي ايش ضمنك إنه مش بيخطط لحاجة كده ولا كده؟ ده احنا يعتبر وقعنا في عرين الأسد…
سكتت لثانية، وأكملت في تهكمٍ:
-ده هيعملنا عجة!
همهمت “بسنت” في غير اقتناعٍ:
-حساه غير كده.
صممت على رأيها هاتفة:
-الرجالة صنف واحد يا “بسنت”، إنتي بس اللي طيبة بزيادة.
هزت كتفيها قليلًا قبل أن تقول:
-مع إن شكله بيقول إن على الله حكايته!
ضجرت من استطالة الحديث عنه، فأشارت لها بيدها هاتفة:
-خلينا نمشي، بدل وقفتنا اللي مالهاش لازمة دي.
………………………………………..
خلال استعداده للانصراف من المبنى كليًا، تقابل “عمر” مع رفيقه المبتسم بأريحيةٍ شديدة، فنظر إليه من طرف عينه، رأى كيف يتألق وجهه في مرح ونشاط، لم يبدُ مكترثًا به، وتابع مشيه المتعجل، دون أن يتفوه بكلمة، فاستطرد “أنس” قائلًا بإعجاب:
-معلم يا باشا، ومنك نتعلم.
رغم أنه فهم ما يرمي إليه مباشرة، إلا أنه ادعى جهله، وسأله:
-إنت بتتكلم عن إيه؟
جاوبه في تفاخرٍ:
-عن اللي عملته مع البت إياها في المحاضرة، أنا كنت ناوي أديها القاضية، بس إنت زحلقتها بذكاوة.
توقف عن السير ليستدير ناحيته متسائلًا في استهجانٍ:
-وإنت شايف إن اللي حصل ده ينفع أصلًا؟
رد عليه بتحيزٍ:
-يا باشا دي واحدة شغالة دلدول عند صاحبتها الصايعة، يعني توقع منها أي حاجة.
تغضَّن وجهه بالضيق، وأخذ يحذره بنبرة اتسمت بالجدية الشديدة:
-“أنس” مش عايزك تعمل مشاكل مع البنت دي بالذات…
ما لبث أن تحول صوته للتحذير حين أتم جملته:
-وإلا من الأفضل تدي محاضرات لمجموعة تانية ماتكونش هي فيهم.
قبل أن يفكر في الاعتراض عليه أسكته بصرامته:
-ومش هكرر كلامي تاني.
على مضضٍ رد:
-حاضر يا “عمر” باشا.
………………………………………..
أثناء اصطفاف المركبات المختلفة للخروج واحدة تلو الأخرى من بوابة الأكاديمية، تفاجأت “بهاء” حينما نظرت بشكلٍ عابر من نافذتها بتواجد “عمر” في سيارته بمحاذاة سيارتهما، لمحها هو الآخر من جهته، وللغرابة لم يشح بنظرته عنها، بل رمقها بطريقة أجبرتها على متابعة التحديق في وجه، فتذكرت عفويًا حلمها العبثي، وكيف تمكن من القبض عليها ليلقي بها في مسبح مملوء بالبيض المخفوق، استفاقت من شرودها الذي طال لتجده ما زال يتطلع إليها، حينئذ لاحظت أنه يوجه لها تأنيبًا خفيًا من نظرته المسلطة عليها، فأدركت الأمر، وباعدت عينيها عنه في حرجٍ واضح، لتدعي التحديق فيما يوجد بداخل حقيبتها المسنودة في حجرها.
انتفضت في جلستها بقليلٍ من الفزع عندما ضغط على دواسة البنزين فجأة لينطلق في سرعة شبه مرتفعة متجاوزًا البوابة الرئيسية لمحيط الأكاديمية بحرفيةٍ وإتقان، وكأنه في سباق للسيارات، سرعان ما امتعضت ملامحها مما وصفته بمحاولته المكشوفة للتباهي، صوبت إصبعها تجاه ما تبقى من أثره لتلومه في غيظٍ:
-شايفة الغباوة؟
ضحكت “بسنت” قائلة في استخفافٍ:
-حركتين حلوين حافظهم، مش حكاية يعني لما يتمنظر شوية علينا، ما الساحة بتاعته، وده مكانه.
لم تكن مثلها متساهلة في تبسيط الأمور، بل هدرت فيما يشبه التوعد:
-فكرة بكده إنه بيخوفني، لأ ده ما يعرفنيش كويس، احنا لسه بنبتدي حكايتنا سوا، ومش هكون عجة!
ألقت عليها “بسنت” نظرة غريبة متعجبة، لتردد بين جنبات نفسها وهي تكبح ضحكاتها المتسلية:
-بكرة نلاقي الموضوع قلب بحاجات تانية لطيفة!
…………………………………….
في وقتٍ لاحق، قررت الشابات الخروج في نزهةٍ للترويح عن النفس، ونسيان ما جرى خلال اليوم الأول من الدورة التدريبية. تلقائيًا انتقل الحديث إلى المشادة الكلامية التي وقعت بين “بهاء” ومُحاضريها، بالطبع لم تدخر “بسنت” وسعها، وقصت كل ما دار بالتفصيل، وكأنها قد قامت بتوثيق الواقعة بالصوت والصورة. انعكس الاستنكار على وجه “ميرا”، فتساءلت باهتمامٍ:
-واتصرفتوا إزاي؟
كعادتها المبادرة في هذه النوعية من الثرثرة الغنية، تولت “بسنت” من فورها دفة الكلام، وأخبرتها بحماسٍ غريب:
-شدوا مع بعض، كان ناقص بس يحدفوا بعض بالطوب، بالعافية لما “بيبو” مسكت نفسها.
كانت “ميرا” هادئة الملامح، تتحدث بغير مبالاة عندما استطردت:
-وإيه اللي جابركم على كده؟ شوفوا مكان تاني غير ده لو عايزين كورسات وتدريبات، وأنا من رأيي مافيش داعي تضيعوا وقت في الهيافات دي، الأفضل تشوفوا شغلانة مناسبة.
ظلت “بهاء” صامتة تسمع ما يقال دون تعقيبٍ إلى أن نطقت أخيرًا:
-لأ مش هيحصل، أنا مش جبانة علشان أنسحب في أول المشوار، وبعدين دي كرامتي يا “ميرا”.
سألتها الأخيرة بتعجبٍ:
-هي حرب؟
ضغطت على شفتيها قليلًا، لتردف بعدها:
-ممكن تعتبريها كده.
في شيءٍ من الفضول تساءلت “بسنت” وهي تغمز بعينها لرفيقتها:
-صحيح يا “ميرو” مين ده اللي بيعملك قلوب على كل بوستاتك؟
أطلقت ضحكة صاخبة تنم عن سرور ورضا، لتجيبها في نشوةٍ:
-الجو الجديد.
تدلى فك “بسنت” للأسفل في صدمة، وتساءلت باندهاشٍ:
-معقولة؟ لحقتي تعملي move on من علاقتك مع “أنس”؟
أجابتها بلمحةٍ من الغطرسة:
-أكيد، مش هفضل أبكي على الأطلال كتير، دي صفحة واتقفلت.
هتفت في ذهول:
-معقولة، بالبساطة دي؟
قالت مؤكدة:
-طبعًا، أنا اعتبرته كلب وراح.
لحظتها صاحت “بهاء” في استنكارٍ جلي:
-أنا لو حد عمل فيا زي ما اتعمل فيكي كده هفضل بتاع سنتين تلاتة ماثقش في ولا راجل، مش أشبك مع واحد تاني في أقل من شهر.
ضحكت “ميرا” في مرحٍ، وردت:
-أنا غيرك يا “بيبو”، مافيش مكان للنكد في حياتي.
لم تتوقع “بهاء” أن تتصرف صديقتها بهذا النوع من الخسة، فسألتها لتتأكد من ذلك الشك الذي يساورها بقوةٍ:
-“ميرا”، هو إنتي كنتي بتحبيه ولا بتتسلي؟
للغرابة لم تنكر ذلك، وأكدت في عنجهية:
-تقدري تقولي بجرب نفسي معاه، لو ولفنا على بعض كنا هنكمل سوا، لو لأ يبقى خلاص Out ..
اشتعل وجه “بهاء” في التو، فما شهدته قبل سابق كان ينم عن العكس تمامًا، أحست بالغباء وهتفت توبخها:
-بس إنتي مافهمتناش كده!
ردت عليها بلومٍ:
-أنا متوقعتش إنك تتصرفي بالغباوة دي…
ثم شبكت ساعديها أمام صدرها، وتابعت بأنفٍ مرفوعٍ للأعلى في إباءٍ:
-وبعدين اللي يوجع أي راجل إنك تعرفي عليه الأحسن منه، وأنا عملت كده، لاقيت المنافس ليه، وشبكت معاه.
لم تتحمل “بهاء” سخافة لغوها، فهبت واقفة لتقول بذهولٍ ممزوج بالاستهجان:
-بجد أنا مصدومة، مش لاقية كلام أرد بيه عليكي.
ابتسمت “ميرا” في استرخاءٍ واضح، لم تكن مبالية إطلاقًا بحالة الضيق الظاهرة على رفيقتها، ولم تعبأ حتى بالتبرير أو الاعتذار لرفيقتها، فما كان من “بهاء” إلا أن سحبت حقيبتها، وطرحت على كتفها لتندفع بعيدًا عن جمعهن. هتفت “بسنت” تناديها بقلقٍ:
-“بهاء”! إنتي رايحة فين؟
لم تستدر نحوها، وردت بصوتٍ مختنق نسبيًا:
-تعبانة، محتاجة أرتاح.
أسرعت في خطاها لتتجاوز محيط المكان، بدت لحظتها وكأن دلوًا من الماء المثلج قد أُلقي فوق رأسها فجعل كامل جسدها يتصلب، استفاقت بعد فوات الأوان من غيبوبة تحيزها الأعمى لتدرك أنها وقعت في فخ التعصب، وجعلت من نفسها أضحوكة، ناهيك عن خلق عداوات من لا شيء مع غيرها. غادرت “بهاء” المكان وهي تعاتب نفسها بشدةٍ:
-أنا إيه اللي عملته ده ………………………………… ؟!!!

يتبع…

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة باقي حلقات الرواية اضغط على : (رواية ضبط وإحضار)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *