روايات

رواية سمال الحب الفصل السابع عشر 17 بقلم مريم محمد غريب

رواية سمال الحب الفصل السابع عشر 17 بقلم مريم محمد غريب

رواية سمال الحب البارت السابع عشر

رواية سمال الحب الجزء السابع عشر

رواية سمال الحب كاملة (جميع فصول الرواية) بقلم مريم محمد غريب
رواية سمال الحب كاملة (جميع فصول الرواية) بقلم مريم محمد غريب

رواية سمال الحب الحلقة السابعة عشر

#سمال_الحب
#وقبل_أن_تبصر_عيناكِ ج٢ _ الفصل ( ٦١ ) :
_ ولي العهد ! _
مع اشتداد أصوات قصف الأسلحة و إطلاق النيران حدة ؛ لم يكن هناك الآن على البسيطة شيء أكثر أهمية منها، زوجته التي جثم فوقها على الأرض و غطّها بجسمه الضخم كليًا ليحميها من الرصاص المتدفق حولهما بغزارة
كانت تتشبث به باكية بهستريا، و لكن منبع خوفها لم يكن على نفسها، بل كانت مرعوبة من أن بصيبه مكروهٍ، و أكثر من مرة حاولت أن تدفعه عنها لتحميه بدورها، لكنه ظل يمنعها بقوته الساحقة التي لم تستطع دحرها مهما فعلت …
-رزق.. هنموت. هنموت يا رزق !!!
هتافاتها المتشنجة، بالاضافة لسماعه أصوات صراخ النساء بالجوار هي أكثر ما وترته، و دفعته للصياح بخشونةٍ و هو يصوّب ناظريه للأمام مباشرةً حيث شقة الجدة “دلال” :
-مش هنموت. سامعاني ؟ مـش هنمــوت …
و أخذ ينظّم أنفاسه بشهيق و زفير عدة مرات، ثم حسم الأمر، لف ذراعًا حول خصر زوجته، و يده الأخرى استخدمها و بدأ يزحف بها بمرفقيه و ساقيه تحت الغبار و البارود القريب جدًا منهما، حتى تقاطع طريقهما أمام بوابة المنزل الرئيسية، في مرمى الهجوم تمامًا
توقف فجأة، و بسهولة و خفة شديدة أمسك بفخذيها و باعد بينهما، ليلف ساقيها حول خصره، كانت تصرفاته غريبة خاصةً في هذا الموقف
حبست “ليلة”أنفاسها، و قبل أن تفتح فاها لسؤاله، قبل أن تستوعب أيّ شيء، اندفع و شدها متدحرجًا بها حتى نجح في الوصول أخيرًا عند شقة جدته
دفع الباب الموارب و بلغ عتبته، كانت في هذه اللحظة فوقه، حملقت فيه مشدوهة و نطقت في الحال :
-انت مجنون !!
و خيّم الصمت التام في حينها، جمدا لثانية، ثم قامت “ليلة” عنه و تبعها هو واثبًا، شمل المكان كله بنظرة استكشافية، كانت الصالة فارغة
ليسمع فجأة صوت بكاء صغيرته “كاميليا” منبعثًا من غرفة الجدة، لم ينتظر لحظة أخرى و هرع من فوره إلى هناك، دفع الباب بقوة و ولج، فإذا بالنساء جميعهن بالداخل، يجلسن في وضع الانبطاح
سرعان ما وقع بصره المجنون على زوجته.. “نسمة” التي كانت تختبئ بالحيّز الضيّق أسفل منضدة الزينة محتضنة الصغيرة بقوة كلتيهما تبكيان بحرقة
في خطوتين كان قد وصل أمامهما، بيدٍ أمسك بذراع “نسمة” و بالآخر حمل عنها ابنته، في ظهور “ليلة” من خلفه، رأته يضم الأم و ابنتها إلى صدره بحرارة شديدة مغمغمًا :
-بس. بس. مافيش حاجة.. انتوا بخير. مافيش حاجة !
و أخذ يغرقهما بالقبلات متأثرًا و واهنًا أمام عينيّ “ليلة” العابستين، لم تنجح كليًا في اخفاء غيرتها و غصّة قلبها، لا سيما أوقات صراخ ذلك الصوت بداخلها، و غريزة الأمومة التي تتلوّى بأعماقها و تعتصر روحها معذّبة إياها بلا رحمة
كلما حاولت تجاهلها يحدث ما يؤجج سعيرها أكثر فأكثر، و الكارثة، لا تستطيع فعل شيء، أيّ شيء، عاجزة تمامًا …
-رزق !
إلتفت “رزق” محاوطًا على زوجته و صغيرته و مصدّرًا سحنته الوحشية للدخيل، و الذي لم يكن سوى “علي الجزار” …
-انت كويس ؟ الحمدلله
زفر “علي” بارتياح عندما رأهُ بخير، و قال و هو يستتد إلى إطار الباب :
-ولاد السويفي هجموا على الحي و ضربوا علينا نار من ناحية و في رجالة كتير وقعت. انا ماكنتش شايفك و خوفت احسن يكون حصل لك حاجة.. الحمدلله انك كويس
أودع “رزق” صغيرته بأحضان أمها، و إتجه نحو “علي” بعينين حمراوين، أمسك بتلابيبه هاتفًا من بين أسنانه :
-إزاي ده يحصل ؟ قولّي يا علي إزاي ؟ من يوم موتة ناصر الجزار محدش قدر يخطي الحي و لا يضرب طلقة واحدة بدون علم أبويا. كانوا عاوزين يوصلوا لي. بس تخيّل في طريقهم أذوا حريمي.. أو. بنتــــــي !!!!
هدئه “علي” ممسدًا على ساعديه :
-ماطوّلش يا رزق. ضرب النار ماطوّلش. هي كانت دقيقة واحدة و لما لقيوا الرد مننا خافوا و رجعوا مكان ماجم. انا كنت برا و اتصرفت بسرعة. استحالة.. على جثتي كان نفر منهم يخش أو يأذيك و لا يمس شعرة من الحريم و لا بنتك يا رزق. الحي كله متأمن دلوقت ماتقلقش. مش هايقدروا يرجعوا تاني
رغم التبريرات، لم يسكت عنه الغضب، بل تفاقم عندما قفزت صورة أبيه على باله، ترك “علي” و إنطلق راكضًا للأعلى …
°°°°°°°°°°°°°°°°°
للعجب عثر عليه بصالون شقته يضطجع باسترخاءٍ فوق أريكته الكبيرة، عند قدميه تجلس زوجته “هانم” هي أيضًا في وادٍ آخر، لا تفعل شيء غير البكاء في صمت و قد لفت حول رأسها منديلها الأسود السميك …
-أبويا ! .. دمدم “رزق” بدهشة
ليُباعد “سالم” بين أجفانه و يتطلع إليه قائلًا بلهجة مُسالمة :
-حمدلله على السلامة.. كنت واثق إني سايب ورايا راجل. و اتأكدت إن قراري كان صح
عبس “رزق” مرددًا بريبة :
-قرار إيه ؟
ابتسم “سالم” ابتسامة باهتة و جاوبه بثباتٍ :
-إنك خليفتي.. من إنهاردة أنا متقاعد.. و إنت كبير العيلة دي و كلنا في رقبتك !
و انتزع الخاتم الضخم ذي الحجر الكريم الثمين من بنصره، ليقذفه إلى ولده و يتلقّاه الأخير بمهارة تلقائية، في أوج صدمته و اضطرابه الشديدين
وقف كالصنم لمدةٍ طويلة، ثم أفاق على صوت أبيه من جديد يخبره :
-إنهاردة جايلنا ضيف.. عايزك معايا لما يوصل !
°°°°°°°°°°°°
بالكاد كفكفت دموعها، حين سمعت صوت مفتاحه يدور بقفل باب الشقة، حيث كانت تقف أمام النافذة عاقدة ذراعيها أمام صدرها
استدارت محاولة تبديد تعاستها بابتسامة بسيطة، لكنها أخفقت مرةً أخرى، و قد فات أوان أيّ محاولات جديدة
إذ رآها و لاحظ بالفعل بؤسها الواضح، فقال و هو يغلق الباب و يمضي صوبها :
-ماكنتش فاكر ألاقيكي هنا !
كانت هي الأخرى تسعى إليه، فالتقيا أسرع، و وقفا قبالة بعضهما مباشرةً …
-دي شقتي. كنت عايزني أروح فين ؟! .. تمتمت “ليلة” بلهجة ضبابية جوفاء
قطب “رزق” جبينه و مد يده ليمسك برسغها :
-الغارة إللي حصلت قطعت كلامنا. بس الكلام لسا ماخلصش …
تمهل للحظة عندما استشعر برودة بشرتها، رفع كفه و جسّ جبهتها مستوضحًا بقلق :
-انتي جسمك ساقع كده ليه ؟ انتي كويسة ؟!!
اومأت له و هي تبعد كفه بلطف عن رأسها :
-انا كويسة. ماتقلقش عليا.. بس اعصابي مهزوزة شوية
-من إيه ؟ عشان إللي حصل تحت ؟ أطمني. ده عمره ما هايتكرر تاني طول ما أنا عايش. محدش يقدر يلمس عيلتي
-انا مش خايفة يا رزق ! .. أكدت له بجدية
إزدادت حيرته أكثر و سألها :
-مش فاهمك !!
إختلج محياه فجأة، فحوّلته باعجوبة إلى سأمٍ متقن و هي تقول متأففة :
-تؤ.. خلاص يا رزق. إنسى ..
و جاءت لتنصرف من أمامه، أمسك بيدها و شدها إليه مانعًا إياها من الحركة، صارت ملتصقة بصدره تقريبًا، و اضطرت لرفع عنقها حتى تقابل نظراته القاسية …
-مالك يا ليلة ؟ .. كرر سؤاله بحزمٍ أكثر
-مش سايبك إلا اما أعرف مالك !!!
ضغطه هذا عليها أطفر الدموع من عينيها، و بذلت جهدها لتبقي فاها مغلقًا، و لكن عبثًا، عبثًا كل شيء تناضل من أجله
انفجرت فجأة باكية و ألقت برأسها على صدره، أخذت تنتحب و هي تتعلّق به أكثر و تحيط عنقه بذراعيها، بينما ارتبك هو و لم يسعه إلا التخفيف عنها رابتًا على ظهرها و ماسحًا على شعرها باقصى ما باستطاعته من حنان …
لانت نبرته و هو يخاطبها باللحظة التالية :
-ليلة ! انتي بتعيطي. أنا أول مرة اشوفك كده.. فيكي إيه يا حبيبتي ؟ قوليلي ماتجننيش !!!
و أجبرها على النظر إليه ممسكًا بذقنها، كم كره أن يراها بهذا الضعف و نظرة الانكسار الدامعة تطل من عينيها، ألح عليها بثقلٍ :
-قوليلي !
فباحت له أخيرًا و كأنها تُلقي بجبلٍ فوق عاتقها :
-كل ما أشوفك معاها. و مع بنتك. غصب عني. غصب عني يا رزق.. النار بتقيد جوايا. أنا بحب كاميليا. بس بكره أشوفها معاك.. لما بشوفكوا سوا بحس بفشلي. بقلة قيمتي. ببقى نفسي الأرض تتشق و تبلعني و لا أتبخّر. بس ماحسش الاحساس ده… غصب عني يا رزق ماتزعلش مني. ماتزعلش !!
و أفلت من بين شفاهها نشيجًا أكثر حرارة و مرارة …
كان يفهم جيدًا إشارات كلماتها، و يتفهّم أكثر معاناتها، ما دفعه للتصرف بأرق ما يكون و هو يحيط وجهها الآن بكفيها و يقول هامسًا أمام عينيها :
-انا فاهم. فاهم كل إللي بتقوليه و حاسس بيكي. بس انتي بتدي الأمور أكبر من حجمها يا حبيبتي. إنتي لا فاشلة و لا قليلة القيمة. إنتي أجمل و أقوى ست شوفتها في حياتي. و كنت محظوظ بحبك ليا. مش البيبي إللي هايقوي الحب ده يا ليلة صدقيني.. رغم إن الدكتور قالنا إنها مسألة وقت مش أكتر. إنتي مش ناقصة شيء. و قريب هايحصل إللي عاوزاه. ف ماتضطغيش على نفسك كده. أنا عايز أشوفك قوية دايمًا.. انا باخد قوتي منك !
بلسمٌ مدواي، كان هذا وقع كلماته عليها، دفعة معنوية صلبت ظهرها المحني من جديد و منحتها الثقة مرةً أخرى
لكن أثر البكاء بقى قليلًا و هي تضع كفيها فوق يديها فوق على وجهها و غمغمت بصوتٍ أبح :
-أنا نفسي أشيل حتة منك. بس.. لو ماكنتش في حياتي مافيش حاجة كانت ممكن تفرق معايا.. لكن أنا بحبك. و مش قادرة أستحمل يكون لك ولادك من واحدة غيري. غصب عني مش قادرة
طمأنها بثقة : ماتقلقيش خالص. وحياتك هايحصل و هاتجبيلي قبيلة بحالها. و هافكرك.. قولتلي عاوزة تحيبي مني ولد. قريب أوي الولد ده هايجي. محدش هايجبلي الولد ده غيرك يا ليلة.. وعد !
تمكن بهذه السهولة من رسم الابتسانة على محياها، بينما تعبس قليلًا عندما تحسست أناملها مادة صلبه على بنصره، أمسكت بيده اليّمنى بكلتا يدها و حدقت، لترى خاتم !
إنه لعمها، إنه هو خاتم السيادة و الملك، خاتم “سالم الجزار”.. كيف بحق الله قفز إلى يد “رزق” ؟
لم يكن هناك سوى جوابًا واحد، و هو ما أكده لها حين تطلعت إليه و قرأته بنظراته، قبل أن ينطقه بلسانه بفتورٍ مثير للشفقة :
-أيوة.. أنا بقيت الملك !
°°°°°°°°°°°°
كان الاستقبال باردًا هذه المرة، رغم كرم الضيافة الرائع، لم يلقَ الضيف المنتظر اهتمامًا أكثر منه، لكنه لم يبدي غير كل التعاطف مراعاة للظروف الأليمة و الحداد حديث العهد
حضر اللواء “ربيع الخبيري” بصحبة امرأة شابة، فائقة الجمال، ظن الجميع بالبداية أنها زوجته، لكنه أوضح لاحقًا بأنها إبنته
و قد قامت “هانم” على خدمتهما كأفضل ما يمكن، و جلست في هدوءٍ و سكينة بجوار زوجها.. من يصدق أنه هو نفسه “سالم الجزار”… إنه نسخة باهتة عنه
و لكن حتى مع هذا، لا أحد بامكانه أن ينكر عليه سلطانه المتمثل بسكناته قبل حركاته …
إنه الآن أسد عجوز، رغم قلة حيلته، لا تزال هيّبته طاغية
أما نجله الكبير، يُعد صورة طبق الأصل من أبيه في شبابه، حقًا.. ما أشبه اليوم بالبارحة
ولّى زمان “سالم الجزار” ليبدأ عهد “رزق”.. “رزق الجزار” و لا غيره …
-لازم تسيطر على الأوضاع في منطقتك يا سالم. أنا مقدّر الظروف كويس. لكن الوغش دوشته وصلت لفوق و أنا مش هقدر أغطي عليك أكتر من كده.. أحكم ولادك و شدد عليهم شوية !
كان “سالم” يستمع إلى كلمات صديقه اللواء في هدوءٍ مصرفًا ناظريه الذابلين في اللا شيء، حتى فرغ، رد عليه بفتورٍ :
-اطمن يا ربيع. المشاكل خلصت خلاص. و أنا ولّيت رزق ابني و خلّيته مكاني.. في وجوده مش هاتسمع إلا كل خير صدقني
اومأ اللواء “ربيع” واثقًا من وعده، ليتداخل صوت ابنته في نفس الوقت بينما تميل صوبه ليدرك هشاشة لهجتها الرقيقة جيدًا :
-بابي.. كده هانتأخر على الطيارة !
غمغم “ربيع” ملطفًا قلقها :
-ماتقلقيش يا حبيبتي هانوصل في المعاد ..
و عاود النظر إلى “سالم” قائلًا منفرج الأسارير :
-و لو أني كنت مستني كل ده عشان أشوف رزق.. من كام سنة ماشفتوش يا سالم ؟
ذكّره “سالم” من خلال ذاكرته الحادة رغم كل ما ألمّ به مؤخرًا :
-آخر مرة اتقابتلوا لما نجح في الثانوية العامة و جيت تباركله و تسأله نفسه يدخل إيه عشان تتوّسطله
ابتسم “ربيع” و قال :
-الله يبار لك فيه. راجل من يومه و مشرفك. خسارة.. الظاهر ماليش نصيب أشوفه كمان المرة دي
-لأ إزاي يا باشا. في نصيب طبعًا !!
أشرق وجه اللواء “ربيع” عند إنبلاج صوت “رزق” …
إستقطب الأنظار في الحال، كان قد و٢ل لتوّه و وقف عند عتبة باب شقه والده، بهيّ الطلعة كعهده دائمًا، يسرّ الأبصار
حتى ابنة اللواء نفسها، أُخذت فورًا به و لم تستطع إزاحة عينيها إنشًا واحدًا بعيدًا عنه، بقيت مرهفة حواسها كلها ناحيته و هو يمضي حسب ما خُيّل إليها تجاهها
لكنه في الحقيقة توقف أمام أبيه الذي قام لمصافحته، بينما يرحب به “رزق” قائلًا :
-إستحالة اعرف ان ربيع باشا الخبيري هنا و ماجيش لحد عنده.. يا مرحب بيك
ضحك “ربيع” بخفةٍ و هو يربت على كتفه …
-رزق.. ما شاء الله. صحيح كنت كبران آخر مرة شوفتك. بس انا دلوقتي شايف راجل ملو هدومه. ربنا يحميك يابني
-الله يطوّلنا في عمرك يا باشا
و هنا إستدار “ربيع” مشيرًا نحو ابنته :
-أعرفك ببنتي و وحيدتي.. سيرين !
لم تنتظر الأخيرة دعوة من أبيها، بل قامت من نفسها شامخة الرأس، و تقدمت خطوة مادة يدها الرشيقة إلى “رزق” ااذي أخذ يرمقها بنظراتٍ فضولية أكثر منها فاحصة …
-Pleasure to meet you ! ( تشرفت بلقائك )
سارع “رزق” ممسكًا بكفها الليّن الغض، و بسهولةٍ شديدة تحوّل إلى عِرقه النبيل و رد على تحيتها الرقيقة و هو يحني رأسه أولًا و ليُقبّل يدها برقيّ :
-Such an honor ! ( إنه شرف لي )
السهم ضرب قلبها في هذه اللحظة بالذات
وجهه، صوته، دفء راحته، و سلوكه
من غير المعقول أن يحوز رجلّ مثله كل تلك الصفات التي صرعت أنوثتها المتماسكة تحت قدميه الآن …
إنها لمعجزة أن تكون بهذا الثبات بعد إحتكاكه بها هكذا و توجيهه بعض الكلمات لها !!!
إنفصلت المصافحة بينهما، فشعرت بالبرودة تجتاحها و ارتبكت قليلًا، لولا صوت والدها الذي إنطلق مخاطبًا آسرها :
-سمعت أخبار حلوة من أبوك. أخيرًا ولّاك مكانه !
نظر “رزق” له و قال بتهكمٍ ساخر :
-مقدرتش اقاوم الاغراء. وافقت
قهقه “ربيع” قائلًا :
-يا راجل. انا عارف إنها مش على هواك ! .. و تابع بجدية :
-بس صدقني. انت الأصلح
رد “رزق” بلا اكتراث :
-يساويها.. يساويها ربنا يا باشا !
ابتسم “ربيع” و هو يلقي نظرة بساعة يده مضيفًا :
-انا كان نفسي أقعد وياك أكتر من كده.. بس عندي طيارة كمان ساعة. مضطر أمشي حالًا مع الأسف.. بس أكيد لما ارجع هاشوفك
و أكد عليه باشارة من سبابته
وافقه “رزق” برحابة كبيرة :
-أكيد يا باشا. انا تحت امرك في أي وقت. ده انت الغالي
ربت “ربيع” على كتفه من جديد و ودّعه و “سالم” مرة أخيرة، ثم أخذ ابنته و غادرا على عجالة، فما أن إنفردت “سيرين” بأبيها في السيارة
و قد صارت خارج حدود “حي الجزارين” المهيب، طرحت عليه سؤالها الذي حرقها كل هذا الوقت من الصمت :
-بابي. يطلع مين رزق ده ؟
أدار “ربيع” رأسه ناظرًا إليها بيسر إذ كانا يجلسان جنبًا إلى جنب بالمقعد الخلفي، عقد حاجبيه الأشيبين قائلًا :
-ده ابن سالم الجزار. الراجل إللي كنا عنده. انتي ماكنتيش واخدة بالك من الكلام ؟
تمتمت “سيرين” لنفسها كالمسحورة :
-انا ماخدتش بالي غير منه. منه هو بس ..
-بتقولي إيه ؟! .. تساءل بغرابةٍ
انتبهت له على الفور و قالت مبتسمة :
-و لا حاجة يا حبيبي و لا حاجة.. طيب ممكن تحكيلي قصته ؟ قصدي قصة أبوه و حي الجزارين ده كله ؟!
تعجب “ربيع” منها …
-عايزة تعرفي إيه يعني ؟ ما انا قولتلك علاقة صداقة بتجمعني بابوه من زمان. من أيام ما كنت ظابط صغير. ده عمر بحاله
سيرين برقة تؤتي أكلها لا محالة :
-و انت مستخسر تحكيلي يعني عم صداقتكوا يا بابي !!
-لا ابدًا مش حكاية مستخسر. بس مستغرب.. ايه إللي يهمك في كده و من إمتى؟ ده انا جبتك معايا بالعافية و لولا مسافرين سوا عمرك ما كنت تقبلي تيجي معايا مكان زي ده !
أقنعنه بالأخير بجلدٍ و صبر :
-بس جيت. و بقى عندي فضول أعرف.. أحكيلي يا بابي. بليز !!!
و بالفعل، حدث ما أرادت كالعادة، و استغرقت الرحلة كلها أحاديث و قصص طرحها “ربيع الخبيري” على إبنته، و كلها عن “سالم الجزار” و عائلته.. و إبنه الكبير… “رزق الجزار” !

يتبع ….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *