روايات

رواية يناديها عائش الفصل الرابع والأربعون 44 بقلم نرمينا راضي

رواية يناديها عائش الفصل الرابع والأربعون 44 بقلم نرمينا راضي

رواية يناديها عائش البارت الرابع والأربعون

رواية يناديها عائش الجزء الرابع والأربعون

يناديها عائش

رواية يناديها عائش الحلقة الرابعة والأربعون

حين يُحبك إنسان تشعر بأنك جميل والدنيا واسعة ، فما بالك حين يُحبّك الله سبحانه وهو ربّ الجمال وربّ الدنيا وربّ الضيق والسعة ؟!
******
يجلس في غرفته على كرسيه المتحرك، يرفع عينيه الخضراوتين الجميلة التي أغرقها الدمع للأعلى مناجيًا الله من فوق سبع سماوات، مدرك تمامًا أنه قادر على سماع ما في قلبه دون أن يهتف به.. ترتسم على وجه المليح ابتسامة منكسرة تتزامن مع تدفق عبرات ساخنة من عينيه المهمومة، و لسانا ينطق بصعوبة قائلا
–هو أنا هفضل كده لحد امتى ؟.. أنا.. أنا مش معترض يارب.. بس.. بس نفسي أرجع أمشي.. أصل مش هينفع أفضل حِمل على أهلي كده لحد ما أموت !.. يارب كل واحد هيبقاله حياة يعيشها وأسرة ياخد باله منها.. محدش هيبقى فاضي لعجزي.. يارب سامحني على اللي هقوله ده.. بس أنا تعبت.. بقاوم عشان أفضل صابر.. بس غصب عني بحس الموت أريحلي لما يجي حد من اخواتي يساعدني ألبس أو أنام.. بضايق لما أتعب أمي معايا.. بتحرج أوي لما أخويا يسيب مراته عشان خاطر يدخلني الحمام أو يحميني.. سامحني.. أنا مش قادر أتحمل.. مش عارف هعيش باقي عمري كده ازاي.. أنا.. أنا مش عارف اللي هقوله ده صح ولا غلط بس أنت غفور وهتغفرلي.. وعزتك وجلالك يارب لتشفيني.. أقسمت بك عليك أن تشفيني.. مش عايز أبقى عبء على حد…
قال جملته الآخيرة ثم شهق باكيا بهيستيرية و أخذ يمسح الدموع التي غطت وجه ويشهق من حين لآخر كالطفل الذي سلبت منه رضاعته وهو لازال جائعـًا.
طرقت والدته الباب أكثر من مرة، وعندما لم يأتيها الرد قلقت عليه فدخلت ووجدته يغطي وجهه بكفيه يخفي دموعه عنها ثم مسح وجهه سريعا ونظر في الكتاب الذي بحوزته مصطنعًا المذاكرة.
تأملته والدته للحظات بقلب أم منكسر على ولدها، لازالت دموعه متعلقة بأهدابه ووجهه محمر و منتفخ أثر البكاء.. لم تريد إحراجه فقالت بعفوية
–شكلك مشغول جامد عشان كده مسمعتنيش وأنا بخبط
ابتسم دون رد وعاد ينظر في كتابه و علامات اليأس تغرق معالم وجهه، لم تستطيع الأم الصمود أمامه فسحبته لصدرها تحتضنه بقوة وتبكي رغما عنها فما كان من “سيف” سوى أن يضم نفسه إليها أكثر وكأنه وجد ملجأ يحتمي فيه من قسوة العالم، وأخذ يبكي هو الآخر بقوة.. مسدت والدته بحنو على شعره وظهره وتحركت شفتيها بتلاوة المعوذتين وهي تهدهده لتجعله يهدأ ويكف عن البكاء، فصوت أنينه هذا يمزق قلبها أيمّا تمزيق.
قالت بإبتسامة حنونة
–أنت ليه مصمم أنك متعملش العملية ؟
رد بعد أن تنهد بحزن
–عشان مستاهلش تتعبوا نفسكم عشاني
نهرته وهي تعود لاحتضانه
–متقولش كده ياسيف..ده تعب الضنا راحة يا بني.. ده أنا فداك والله.. اسمع أما اقولك
مسحت له دموعه لتقول بنبرة أمل
–من يوم ما عملت الحادثة و أنا مبيجليش نوم.. وعرفت أدبر فلوس العملية.. هاخد ورثي في البيت بتاع جدك وابيعه لأخوالك وابيع الدهب اللي أبوك الله يرحمه كان جايبهولي وبدر برضه هيعرف يتصرف في قرشين و إن شاء الله نعملك العملية وترجع تمشي تاني
أصرّ على الرفض قائلا
–ياماما لو سمحتِ.. متضغطيش عليا.. أنا اه نفسي أرجع أمشي بس مش عاوز عمليات.. أنا عارف إن ربنا بيعاقبني ولما يعفو عني متأكد إنه هيشفيني.. وأنا أهو بجاهد نفسي مرجعش أعصيه تاني.. وبعدين الدهب اللي عندك ده.. بابا الله يرحمه وصاكِ تفضلي تلبسيه ومتفرطيش فيه لأي سبب لأنه هدية جوازكم.. ووصية الميت لازم تتنفذ
— أنا متأكدة يا سيف إن لو أبوك كان عايش كان وافقني على القرار ده.. بعد ما سابني وراح للي أحسن مني الله يرحمه.. مليش نفس ألبس لا دهب ولا غيره.. متشال في العلبة بقاله تلاتاشر سنة بطلع عليه الزكاة بتاعته وخلاص
قال سيف مغيرا الحديث
— أنا عندي فكرة حلوة.. بما إنك مبتعمليش حاجة بالدهب ده.. إيه رأيك تهادي هاجر بحاجة منه يوم فرحها.. يبقى تذكار منك ومن بابا
بادلته الابتسامة لتقول
–أنا فعلا فكرت في كده أول ما اتخطبت لزياد.. وعروستك إن شاء الله ليها خاتم
تساءل بعفوية
–طب و عائشة !!
ردت بصدق
–أكيد مش ناسية عائشة.. بس مستنية لما أخوك يدبر أموره ويعمل فرحه إن شاء الله
هتف سيف ضاحكًا
–تخيلي ياماما لو عائشة كانت حامل يوم فرحهم هيبقى شكلها وشكلنا ايه قدام الناس
–يابني ما الحارة كلها عارفة إن أخوك كتب كتابه ودخل والفرح متأجل لما الظروف تسمح
–أول مرة تحصل دي.. فرح بعد الدخلة !
قالها و انخرط في الضحك شاركته والدته ثم بعد دقائق رن الجرس، نهضت لتفتح فوجدته “قصي” قبل أن يلقي التحية عليها، سألها متلهفًا
–عندكوا أكل إيه ؟
لم تنطق عمته من المفاجأة وقدومه في هذا الوقت المتأخر من الليل، تجاهلها واتجه للمطبخ ليكشف عن الأواني يبحث عن الطعام، وجد بعض قطع الدجاج أخذها وخرج يقضمها بشراهة أمام زوجة عمه المصدومه من تصرفاته الخرقاء.. ثم وقف أمام غرفة هاجر وكانت في ذلك الوقت تُذاكر ولم تعرف بمجيئه.. صاح قصي من خلف باب غرفتها
–يا هاجر.. متطلعيش برا عشان هبات انهارده مع سيف.. أصل متخانق مع ابويا وسبتله البيت.. وطبعا سي زياد جوزك لو عرف إني دخلت البيت وانتي موجودة فيه مش بعيد يخلع راسي ويركب مكانها راس دولفين..
خرج سيف من غرفته على صوت صياحه، ولسوء حظ قصي أن “زياد” كان جالسا في شرفته يتصفح حاسوبه ورأه وهو يصعد لبيت زوجته.. بالطبع غلت الدماء في عروقه من الغيرة والغضب وجاء خلفه و ما هي إلا دقائق معدودة وكان زياد يقف أمامهم يرمق قصي بغضب وصل لأعلى ذروته.
ابتلع قصي آخر قطعة من اللحم بفمه وتلون وجهه بألوان قوس قزح، فأشار له سيف من خلفه أن يدخل لغرفته سريعا.. وقبل أن يهجم زياد عليه.. أصدر قصي صرخة كالنساء وفي لمح البصر كان بغرفة سيف موصدًا الباب عليه بإحكام.
صاح زياد منفعلًا
–هو أنا مش نبهت عليك يا حيوان متعتبش هنا طول ما هاجر في البيت !!
أتاه صوت قصي المضطرب من الداخل يقول
–وأنا أعرف منين بس إنها هنا
–ولاااه أنت هتستعبط.. هتكون فين يعني في نص الليل.. اطلع يا قصي من عندك بدل ما اخلي ليلتك سوده على دماغك
وقعت عين قصي على قطرة عين أعلى الكومود.. خطرت بباله فكرة لتنفيذها سريعا علها تنقذه من وحشية زياد وغيرته.. أخذها ووضع على خده وعينيه ليصطنع البكاء ويؤثر على زياد.
في تلك اللحظة فتحت هاجر الباب وهي لا تستطيع كتم ضحكاتها على ما يحدث.. نظر لها زياد بغيرة حقيقية ليصرخ بها
–أنتي ايه اللي مطلعك.. ادخلي جواا
تفاجأت هاجر من حدته، فلأول مرة يصرخ عليها مما جعلها تخاف منه وتضطرب، فدلفت للداخل في الحال، بينما عمته حاولت تهدئته فقال لها بجدية
–الكلب ده عصبني.. أنا منبه عليه كذا مرة إنه مينفعش يجي هنا في وجود هاجر.. وده شاب والشيطان شاطر وأنا من حقي أخاف على مراتي
تساءلت عمته بدهشة
–أنت مش بتثق في هاجر ؟!!
زفر بضيق من عصبيته البالغة ليقول بلهجة أقل حدة
–أنا بثق في هاجر أكتر من نفسي.. بس مش واثق فيه هو.. هو عيل طايش ومش عارف الصح من الغلط
سمع قصي هذا الكلام الجارح وبالفعل أثر عليه، فخرج ينظر لزياد بحزن ومع دموع القطرة كان المشهد مؤثر للغاية وظن سيف ووالدته أنه يبكي.
قال قصي بأسف
–أنا يمكن أه طايش بس بعرف افرق بين الصح والغلط
قاطعه زياد بتعصب
–ولما انت شاطر كده.. مش عارف إن وجودك هنا غلط !!
تحدث قصي لأول مرة بصوت عالِ غاضب أسكت الجميع
–هاجر زي اخواتي البنات.. عمري ما أفكر أأذيها.. و أنا جاي لسيف عشان موضوع مهم.. وهو الوحيد اللي بيفهمني وبرتاح في الكلام معاه.. يعني مش جاي لحاجة تانية يا أستاذ زياد.. ياريت تحسن نيتك بعد كده
ازداد تعصب زياد هو الآخر من صوته العالي عليه.. فشده من ملابسه ليصرخ به
–أنت بتعلي صوتك عليا يالااه !!!
تدخلت عمتهم سريعا قبل أن ينشب بينهما شجارا و لعلمها أن زياد إذا تملك من الشيطان وغضب لن يهدأ بسهولة طالما الموضوع يخص غيرته على هاجر.
–استهدوا بالله كده.. زياد اهدى كده في ايه.. الموضوع مش مستاهل خناقة
ابتعد زياد عنه وهو يرمقه بنظرات نارية، بينما قصي ابتسم ابتسامة ساخرة استفزت زياد أكثر، فرفع زياد كفه عليه وقبل أن يهوي به على خده قام سيف بدفع قصي من ظهره ثم صاح فيهما بغضب
–ماالكم.. فيه اييه !!.. انتوا صغيرين للمهزلة دي.. قصي ادخل اوضتي و أنت يا زياد لو سمحت روح
هتف زياد باستنكار
–أروح !!
–هاجر مش هتتخطف
–أنت بتهزر يا سيف !!.. يبقى واحد غريب عن مراتي قاعد معاكم في نفس البيت وأنا اسكت عادي كده !!
–قصي مش هيخرج من أوضتي.. متقلقش
فكر زياد في حل سريعا وهو مازال غاضبا ثم اتجه لغرفة هاجر ليفتح الباب ويقول بلهجة آمرة
–هاتي الكتب اللي هتذاكري فيها وشوفي هتلبسي ايه بكره وانتي رايحة الامتحان عشان هتباتي مع نورا.. يلا
ظلت هاجر واقفة أمامه تتطالعه بدهشة.. فصاح ليفزعها
–متخلصي.. انتي واقفة متنحة كده ليه ؟؟؟
هرولت بطاعة تفعل ما قاله
–حاضر.. ثواني
التفت لعمته ليقول بهدوء
–ده بعد إذنك طبعا يا عمتي
–اللي تشوفه يا زياد.. طالما ده هيريحك
ذهبت هاجر معه ولكن يبدو الحزن عليها من تحول وانفعال زياد المفاجئ.
في غرفة سيف.. جلس قصي على الفراش يخفض رأسه بإستياء مما حدث منذ قليل، تحرك سيف بكرسيه نحوه ليقول ممازحا في محاولة منه لينسيه ما حدث
— أول مرة اشوفك متعصب.. نجلاء اللي جواك اتحولت فيةثواني
ضحك قصي رغما عنه ليقول
–ياعم سيبني احزن دقيقة على بعضها.. بتضحكني ليه
–اضحك ياحبيبي براحتك.. من بكره لحد ما الامتحانات تخلص ننسى يعني ايه ضحك
–لا ياسطا أنا مأمن نفسي
–ذاكرت كويس يعني ؟
–لأ هبرشم
–عاش.. اللي زيك هما اللي بينجحوا
ضحك ثم تلاشت ابتسامته وعاد للسكوت يفكر في كلمات زياد الجارحة.
ربت سيف على فخذه ليواسيه قائلا
–متزعلش من زياد.. وقت الغضب الإنسان ميعرفش هو بيقول ايه.. هو اكيد ميقصدش يجرحك
–ده بيشك فيا يا سيف.. محسسني إني بتاع كباريهات.. هو في ايه
–لا والله هو ميقصدش.. أنت بس لسه متعودتش على زياد.. هو طيب جدا والله بس من كتر حبه لهاجر وغيرته عليها مفكرش في الكلام قبل ما يقوله.. وأنت برضه غلطان
هتف بسخرية
–غلط في ايه بقى إن شاء الله ؟؟
–عليت صوتك عليه ومعملتش حساب لفرق السن اللي بينكم.. أنت ينفع تكلم أخوك بأسلوب وحش كده مهما عمل ؟
–لأ
“قالها زافرًا بضيق.. رد سيف بعقلانية”
–وزياد في مقام أُبي بالظبط.. مينفعش تعلي صوتك عليه
صمت قصي للحظات ثم أردف مدافعًا عن نفسه
–هو عشان بهزر وبضحك يبقى يتقال عليا عيل طايش ! لازم أكون مصدر الوش الخشب عشان يبقى عندي كاريزما والكل يحترمني !!
ضربه سيف بخفة
–مخلاص بقى.. اللي حصل حصل.. وبعدين ده مش واحد من الشارع اللي قالك الكلام ده.. ده اخوك الكبير يعني عديله وانسى
“مهي المشكلة إن الكلام السم بيجي من الأهل”
صاح سيف بقلة حيلة
–ياعم خلاص بقى.. متكبرش الموضوع.. بكره تتصالحوا ولا كأن حاجة حصلت
هز رأسه دون أن يجيب.. فتساءل سيف بمرح
–مش هتقولي متخانق مع ابوك ليه.. اكيد قفشك بتكلم نجلاء جديدة
ضحك قصي بشدة ليردف
–ياريت.. أهو أحسن من المصيبة اللي وقعت فيها
–خير !
–مش خير خالص.. ابويا عاوز يجوزني بعد الكلية علطول
غمز له سيف بمشاكسة
–يابختك ياعم.. مين قدك
–مهو مش دي المصيبة.. أنا جايلك في الكبيرة اهو
–هااا.. حمستني
–قالي أنا اللي هختارلك عروستك
سمع سيف تلك الجملة وانهار من كثرة الضحك ليقول وهو يحاول اخفاء الشماتة به
–عملي فيها روميو وفي الآخر هتجوز واحده متعرفهاش… روميوو يا روميوو
ظل يضحك بشدة بينما قصي ينظر له بإغتياظ ليهب واقفا بإعتراض
–هو أنت فاكرني هوافق… اومال أنا سيبت البيت ليه.. على جثتي ده يحصل.. أنا مش هتجوز أي جوازة والسلام.. أنا هتجوز عن حب
هز سيف رأسه بفخر يوافقه الرأي وصفق هاتفًا بمرح
–يا رافع راسي.. عااش يا بطل.. خليك ثابت بقى على مبدأك
لاحظ قصي أن سيف يسخر منه، فداعب شعره بغرور قائلًا
–يابني أنا لما بحط حاجة في دماغي بعملها لو الدنيا كلها وقفت قدامي..
تمتم سيف بإستهزاء
–والله شكلك هتجوز على طريقة سيدي وستك
–بتقول حاجة يا سيف ؟
رفع سيف صوته ضاحكًا
–بقولك شكلك هتجوز على طريقة اجدادنا
انكمش حاجبي قصي ليتساءل
–ازاي.. مش فاهم
–يعني يا حبيب قلبي.. مش هتشوف وش مراتك غير لما يتقفل عليكم باب واحد
صاح قصي بسخرية مندهشًا حتى وصل صوته لعمته
–يعني أصبر كل ده عشان في الآخر اتجوز واحد مشوفش غير وشها ليلة الدخلة طب وبالنسبة لبقية أعضائها !!
صمت سيف ينظر له بدهشة من تلمياحته الوقحة بينما الثاني يبادله النظرات مصطنعًا البراءة حتى انفجر الأثنين ضحكًا وقال سيف يوبخه
–أقسم بالله أنت عيل مفضوح.. صوتك عالي يا بغل..
حك قصي شعره بحرج ليردف
–يارب متكونش أمك سمعتني.. زمانها بتقول زياد عنده حق يخاف على هاجر مني
–مش قادر أتخيلك زوج مسؤول عن أسرة بصراحة
وضع يديه في خصره يتمايل يمينا ويسارا هاتفا بإعتراض
–ليه مش راجل ولا ايه !
–هو بعد هزة الوسط دي والباقي من رجولتك اتبخر.. عارف يا قصي أنت ناقصك ايه عشان الكل يعملك ألف حساب وتبقى هيبة كده
–ايوه عارف
–عارف ! طب ناقصك ايه ؟
–واحدة تدلعني.. تقشرلي العنب وتحطه في بوقي
قال سيف بنفاذ صبر منه
–ناقصك الطبع الخشن.. الحياة مش كلها هزار
“اللي مش عاجبه طبعي يطبع في مطبعة تانية”
قالها ثم تمدد على الفراش كل قدم في اتجاه وأخرج هاتفه يعبث فيه..تساءل سيف بشك
–ولاه ياقصي
–ايه ؟
–جاك اوه.. أنت لسه بتكلم بنات ؟؟
التفت له ليقول بصدق
–بصراحة ساعات مش بقاوم اللحمة البلدي بس بشوف اخواتي البنات واقعد اقول لنفسي اتقِ الله ياقصي عشان اخواتك البنات ميحصلش فيهم كده.. رغم إني لو كلمت واحدة مبكلمهاش في حاجة وحشة.. ده هما اللي بيعاكسوني.. بس أنا بعتبرهم صحابي يعني مش اللي بالي بالك
رد سيف بتفهم وهدوء ليوضح له نقطة قالها يحرمها الإسلام ويحللها معظم الناس
–اسمع يا قصي.. مفيش حاجة في الإسلام بتقول إنه عادي يبقى فيه علاقة صداقة بين البنت والولد.. ربنا سبحانه وتعالى بيقول في القرآن
“وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ” النساء ٢٥
يعني بينهانا عن الصحوبية بين الرجال و النساء؛ لأنها بتاخدنا لمنعطف ولطريق تاني.. العلاقة دي بتشمل خروجات بحكم انكم صحاب وكده وهزار وشوية في شوية تتطور العلاقة يحصل حجات أكبر.. كل ده بيشير لحاجة واحدة بس وهو طريق الهلاك.. علاقات الصحوبية اللي بنشوفها في الجامعات والمدارس والدروس دي ناتجة عن التربية الغلط من الأب و الأم.. لما اسمح لبنتي تصاحب وتكلم شباب يبقى أنا مش راجل وديوث والجنة محرمة عليا.. لما بنتي أو إبني يصاحبوا بدون علمي يعني من ورا الأهل يبقى هما عارفين مليون في الميه إن اللي بيعملوه ده غلط عشان كده خايفين يقولوا لأهاليهم..
يعني مثلا أنت ترضى لما تتجوز مراتك تقولك انا نازلة خارجة مع واحد صحبي شوية ؟
قصي بنفي شديد
–مستحيل طبعًا..ليه أنا مركب قرون
–أهو شوفت إنت انفعلت ازاي..عشان عارف إن العلاقة دي غلط وحرام… ربنا عشان بيحب عباده ورحيم بيهم نزل القرآن عشان يعلمنا الصح من الغلط.. تعالى كل يوم أنا وأنت ساعة نقعد فيها نتدبر القرآن.. إيه رأيك ؟
–موافق طبعًا.. بس أنا مش واخد عليك وأنت هادي ومحترم كده.. حسك شخص تاني
ضحك سيف ليقول بسعادة
–أنا فعلًا بقيت شخص تاني لما رجعت لحبيبي.. بقيت أحسن.. الحمدلله
–الإنسان مش بيتعظ غير لما تحصله مصيبة
قالها دون أن يفكر ولأن سيف يعرف أنه شخص عفوي ولا يستطيع تذويق الكلام فلم يعاتبه سوى أنه صحح قائلا
–مسمهاش مصيبة يا حلوف.. اسمه قضاء وقدر
اعتدل قصي في الفراش ليستعد للنوم
–أنا هنام معطلكش أنا بقى.. تصبح على مراقب يسيبلكم اللجنة
ضحك سيف ليقول
–وحتى لو سابها أنا مبعرفش أغش.. ومبحبش الغش أصلا
–تحبه ولا متحبوش بقى سيبني أنام ورايا مستقبل عايز يتبني بكره
تركه سيف ينام وظل يذاكر.
____________
لم تتحدث هاجر مع زياد فكانت غاضبة منه لأنه صرخ بوجهها أمامهم وهو يعلم جيدًا أنها خجولة جدًا وما فعله أهانها، لكن هاجر لم تظهر غضبها من زياد بل ظلت صامتة حتى وصلا لبيته وحاول أن يتحدث معها فتركته ودلفت للداخل.. ظلت جالسة مع نورا بينما زياد غضب من نفسه على عدم تحكمه في أعصابه و تسببه في حزن وردته وهو قد عاهد ربه ونفسه ألا يحزنها قطّ.. لكن ماحدث خارج عن سيطرته ولم يقصد بتاتًا أن يُضايقها.
لاحظت هاجر أن نورا تنعكف على قراءة القرآن بتركيز واندماج شديد وكأن شيئًا بها تغير !
أصبحت هادئة عن اللازم و الابتسامة لا تفارق وجهها وكأن قربها من ربها جعل النور في ملامحها ملازمًا لها.
قاطعتها هاجر بإبتسامة رقيقة
–وجودي في الأوضة معاكِ مش مضايقك ؟
التفت نور لها لتبادلها الإبتسامة قائلة
–بالعكس أنتِ الوحيدة في عيلتنا اللي بحب اقعد معاها
–بتحفظي ولا بتقرأي بس.. أصلك بتقري بتركيز زي ما يكون داخلة مسابقة
أجابت مؤكدة بسعادة شديدة زينت ثغرها
–أنا فعلًا داخلة مسابقة الشهر الجاي على مستوى المنصورة وبراجع السور اللي نسيتها.. من يوم ما ختمنا القرآن حفظ أنا وأنتي الخاتمة الخامسة السنة اللي فات وأنا بطلت اختمه مع نفسي لحد مانسيت شوية.. لاقيت المسابقة دي عالفيس واشتركت فيها
فرحت هاجر لأجلها كثيرا فهي بدأت تتغير بحق
–ربنا يوفقك يا نورا.. هي دي الأخبار اللي تفرح
قالت باسمة
–مش أما روحت انهارده العصر لعائشة وبدر وزياد جه معايا و أتأسفتلهم
هتفت هاجر بدهشة وفرح
–بجد !.. اتصالحتوا ؟
–آه.. والحمدلله سامحوني.. أقولك على حاجة.. أنا حبيت عائشة.. هي طيبة فعلًا كانت محتاجة بس حد حنين عليها زي بدر يعوضها عن أمها وأبوها ويعلمها الصح من الغلط
أومأت هاجر تؤيدها
–عندك حق.. أنا قولتلكم كده من الأول.. يلا حصل الخير.. المهم إن أنتم اتصالحتوا
بعد لحظات عادت نورا للحفظ وهاجر لم تستطيع التركيز في المادة التي تذاكرها بسبب ما حدث بينها وبين زياد..
دقائق مرت وسمعته يطرق الباب وينادي عليها.. خرجت وهي تنظر باتجاه آخر غير مبالية بوجوده
تنهد زياد بهدوء وكأنه يرتب الكلام في ذهنه قبل أن يتفوه به، ليقول وهو يتأمل ملامحها الرقيقة الغاضبة
–آسف عشان عليت صوتي عليكِ.. بس مش آسف لغيرتي
رمقته بنظرة سخرية، فشدها من خصرها ليضمها إليه في حركة مفاجأة جعلتها تشهق بدهشة و بخجل، أخفض رأسه ليدنو من أذنها هامسًا بالقرب منها.. ” لا تلومي عاشق غيور يهواكِ”
عندما ضمها إليه وضعت يدها على صدره تمنع اقترابه الشديد منها وجرت دماء الخجل بوجهها، حاولت أن تحرر نفسها من يده الملتفة حول خصرها كالحصن المنيع.. فدفعها سريعًا لغرفته المجاورة لغرفة شقيقته وأغلق الباب وهّم أن يُقبلها و بذكاءها استغلت ضعفه في تلك اللحظة ودفعته بعيدًا عنها لتتحرر منه أخيرًا وقالت بصوت خفيض حتى لا توقظ والديه
–أنت ايه اللي بتعمله ده.. افتح الباب خليني اطلع.. بلاش جنان يا زياد
كانت تتحدث بسرعة وبتلعثم وصدرها يعلو ويهبط في ارتباك و خجل.. اقترب زياد منها ثانية ولكن تلك المرة استطاع السيطرة على مشاعره.. أخذ كفيها ليقربهما لفمه ثم طبع قبلة ناعمة و قال
–سامحيني..
شدت يدها منه لتقول بصوت بدا عليه الإنزعاج
–مسمحاك.. ممكن تسيبني أطلع بقى ؟
–مش من قلبك.. أنا فاهمك أكتر من نفسك عارف امتى تبقي راضية وامتى تبقي زعلانه وانتي دلوقتي نفسك تجلديني.. مش كده ؟
قال آخر جملة وضحك بخفة فابتسمت رغمًا عنها و تنهدت بقلة حيلة لتردف
–خلاص يا زياد حصل خير.. مش زعلانه
–اثبتيلي
–اثبتلك !!.. اثبتلك ازاي يعني ؟
لم يجيبها فكان منشغلًا بالتأمل في ملامحها التي يغرق بها ولهًا وجنونًا ولاحظت هي ذلك فزاد من خجلها وغمغمت بإرتباك
–يعني هتفضل طول الليل باصصلي كده ؟.. علفكرة ورايا امتحان الصبح.. سيبني اروح أكمل مذاكرة
–مش لما قلبك الطيب ده يصفالي أبقى اسيبك
أقسمت بنفاذ صبر
–والله خلاص سامحتك
انحنى ليحملها من خصرها ويحتضنها بحنان شديد وهو يقول
–أنا آسف يا هاجر.. آسف يا وردتي.. والله العظيم من غيرتي ما كنتش شايف قدامي.. سامحيني
تجاوبت معه وضعفت أمامه حبه الشديد والواضح لها، ولفت ذراعيها حولها تبادله العناق لتقول بصوتها الرقيق
–وأنا أعيش ازاي واحنا زعلانين من بعض..
جملتها أثرت عليه فعانقها بقوة أكثر وبعد ثوانِ سمعها تهمس
–سيبني أمشي بقى
تركها تخرج بعد أن قبلها من جبينها وفي تلك الليلة من شدة سعادته لم يستطيع أن ينسى مشهد تواجدها في أحضانه بين ذراعيه وظل يفكر فيها طيلة الليل وهي كذلك.. لم ينام جيدًا وهي لم تركز في مذاكرتها .
_____________♡
“هي نوعي المفضل من النساء وهذا الأمر يورطني بها أكثر، وكم أحب التورط معها”
*******
قاد بدر السيارة بسرعة جنونية من شدة غضبه وغيرته على ملكته المجنونة وتخيله لعيون الرجال وهي تنهش جسدًا تحديقًا و إشتهاءًا، بينما عائشة من شدة خوفها خطرت ببالها فكرة جنونية مثلها وهي أن تفتح باب السيارة وتلقي بنفسها أو تفتح زجاج النافذة وتصرخ أنه اختطفها.. حدثت نفسها بصوت مسموع لتنفض تلك الأفكار الغبية عن رأسها
“عائشة.. متفكريش تاني”
صاح بدر منفعلًا
–اخرسي.. مسمعش صوتك
أومأت بخوف أخذت تختلس النظرات له بارتباك بين الحين والآخر حتى وصلا، وعندما توقفت السيارة فتحت الباب وركضت سريعًا للأعلى.. لحق بها بدر ولم تستطيع المسكينة الإفلات من قبضته.. نزع عنها وشاحها بغِل وأخذها من ذراعها بقوة وبغضب ليجعلها تتأمل نفسها أمام المرآة وصرخ بصوت غاضب أرعبها
–ده منظر تطلعي بييه !! دماغك كانت فين وأنتي بتفكري تخرجي بالمنظر ده
“دماغي كانت معاك.. كنت بفكر اصالحك ازااي”
صاحت بها محاولة أن تدافع عن نفسها، ولكن ذلك زاد من غضبه فصرخ وهو يحاول تمزيق العباءة من عليها
–اخلعي القررف دده.. أقسم بالله لو شفتك لبساها تااني لأولع فييكِ.. أنا هقطعهالك خاالص
وجهت له الضربات في كتفه وصدره حتى يبتعد عنها ولكنه لم يكفْ عن تقطيع العباءة، بل شدها من شعرها بعد أن لفه على يده أكثر من مرة وقبل أن ينطق.. بكت عائشة وهمست تترجاه
–بدر متخوفنيش منك.. أنت وعدتني أنك مش هتأذيني
تركها وهو يتنفس بغضب ففرت من أمامه ودلفت للغرفة ثم أغلقتها عليها بإحكام وجلست خلف الباب تضم ركبتيها لصدرها وتبكي..
جاء بدر ليقف من خلف الباب وعروقه بارزة من انفعاله مما جعل هيئته مخيفة بحق، وهتف في تشنّج و عصبية بالغة
–تفضلي في الاوضه مشوفش وشك غير الصبح وأنتِ رايحة الامتحان.. أنا هربيكِ يا عائشة وعزة جلالة الله لأعلمك الأدب من أول وجديد.. عشان تبقى تطلعي من ورايا و بالمنظر الزبالة ده تاني.. متعلمتيش من اللي حصل في الفندق
سكت قليلًا وأخذ يتنفس بعمق وهو مازال متعصب وعاد مشهد التخيل والرجال ينظرون لها يحوم حوله.. فضرب الباب بقوة أرعبتها وجعلتها تنتفض من مكانها، صارخًا بجنون
–العباية دي انتي بتنكسفي تلبسيها قدامي.. جتلك الجرأة ازااي تخرجي بيها !! ما تردي على أهلي.. مخرووسة لييه !!!
جسمك ده اللي هو ملكي ومشوفتوش لحد دلوقت وصابر عليكِ تروحي تعرضيه زي الراقصين قدام الشارع كله.. بتعملي فيا كده ليييه
قال كلامه الآخير دون أن يعي لكل حرف يتفوه به.. أما عائشة لم تجيبه بكلمة واحدة و ازداد بكائها.
مرّت الدقائق متثاقلة كأنّها السّاعات ،كان الدّم يغلي في عروقه ويكاد ينفجر من عينيه المحمرّتين.. لم يستطيع الهدوء وشعر بالخوف عليها عندما لم يسمع صوتها لدقائق.. حاول أن يهدئ نفسه وطرق على الباب بهدوء حتى لا يخيفها منه ويجعلها تفتح له ليطمئن أنها لم يغشى عليها أو شيء من هذا القبيل.
بدلت عائشة العباءة الممزقة ببچامة نصف كم.. سمعت صوته الرخيم يقول
–افتحي.. مش هعيد الكلمة
بالطبع لخوفها منه فتحت الباب وحرصت على ابقاء مسافة أمنة بينها وبينه، بعد أن اطمأن أنها بخير بصرف النظر عن وجهها الممتلئ بالدموع.. أراد الانتقام لرجولته وكرامته فقال بنبرة ساخرة
–لو طلبتي منك تلبسيلي لبس مفتوح و مجسم هتوافقي.. ولا هو حرام لجوزك وحلال للناس اللي برا ولا يمكن أنتِ مانعة نفسك عني عشان خايفة من حاجة
اتسعت ابتسامته الساخرة ليتابع القول بكل جحود و غِل هو نفسه لم يتوقع ذلك
–ايه.. ساكته ليه ! غلطتي مع حد ؟؟
صفعة قوية هوت من كفها على خده من قوتها جعلت شعره يتطاير ولف وجهه على أثرها، بينما عائشة انهالت الدموع من عينيها بغزارة لتقول بألم وحسرة وبصوت متهدج ضعيف
–أنت واحد حقير و زبالة.. يا رتني ما حبيتك

يُتبع ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *