روايات

رواية سيد القصر الجنوبي الفصل السابع عشر 17 بقلم رحاب ابراهيم حسن

رواية سيد القصر الجنوبي الفصل السابع عشر 17 بقلم رحاب ابراهيم حسن

رواية سيد القصر الجنوبي البارت السابع عشر

رواية سيد القصر الجنوبي الجزء السابع عشر

رواية سيد القصر الجنوبي الحلقة السابعة عشر

اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت ربي، وأنا عبدك لمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير كله بيديك، والشر ليس إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
صلِ على النبي 3مرات
لا حول ولا قوة إلا بالله 3مرات
قال بنظرة عميقة لعينيها :
_ النوع ده من القلوب صعب يتفتح .. ورغم ذلك جالك لحد عندك هدية .. حافظي عليه، لإنه مش بيتفتح غير مرة واحدة بس في العمر ..
بتلك اللحظة ادركت عن أي قلب يتحدث، ابتسمت وقالت وهي ترد الكرة بملعبه :
_ لو أنت مش عارف أني هحافظ عليه .. مكنتش أديتهولي !.
التقت أعينهما في ابتسامة تشمل المرح والمكر والدفء والأمان … حتى قرر الاعتراف :
_ جيهان … أنا ..
خيّل لها أنه قال الكلمة المنتظرة “أحبك” ولكن تشوش سمعها بصوت مزعج لسيارة وقفت للتو بالقرب من القصر ..!
ويأت الفراق بما لا تشتهي خفقات القلب، وتنتهي الصفحة بكلماتٍ قاسية … ولكن بدفتر العمر بقيّة، وصفح بيضاء تنتظر سطورًا مزهرة تليق بقصتهما!.
استدار أكرم سريعاً نحو السور ليرى من يكون صاحب تلك السيارة الغريبة، وصدمت جيهان عندما أخرج مسدس من جيب سترته وتبدلت ملامحه التي كانت تتدفق عذوبة وشاعرية إلى ملامح حادة ثعلبية تراقب فريستها حتى لحظة الأنقضاض، ولكنه فجأة ضيّق عينيه بذهول ويديه ترتخيان وتهبط بالسلاح الأسود المخيف، وعينيه كانت موجهة مباشرةً بدهشة نحو الفاتنة التي خرجت من تلك السيارة المجهولة.
نظرت جيهان للمرأة التي تسير بثقة على رمال الطريق وكأن ذلك الفراغ المخيف حولها لا يطرف لها جفن !! .. والعجيب أن تلك نظرت لبوابة القصر ودفعتها بمحاولة عنيدة أن تفتحها بكل قوة!.
حتى لحق بها رجل للتو خرج من السيارة ويبدو أنه لم يكن يريد المجيء معها من الأساس .. ورأتهما جيهان وهما يتحدثان بعصبية والمرأة تشير له بتهديد، حتى أخرجها من رؤية هذا المشهد الغير مفهوم صوت أكرم وهو يردد ببطء ويقول بنظرة عميقة موجهة مباشرةً نحو الفاتنة:
_ رانــدا !!
نظرت له جيهان بدهشة، فمنذ لحظة كانت على ثقة أن هذان غريبان واخطأ الطريق، ولكن يبدو أن الأمر ليس كما تعتقد، وقبل أن تستفسر منه تركها أكرم وركض هابطا الدرج بسرعة عالية .. وظلت جيهان متيبسة الحركة لثوانً وهي تشعر بشعور غامض من الكآبة والوحدة .. وظلت على حالها حتى لمحته وهو يتوجه نحو البوابة ويفتحها على مصراعيها بذراعيه المفرودتان، كأنه استعد للعناق العنيف التي استقبلته به تلك الفاتنة .. شحب وجه جيهان وجف ريقها وهي ترى ذراعي تلك المراة تلتف حول عنقه بجرأة!، كأنها اعتادت على ذلك .. والعجيب أنه تركها تفعل ما تشاء!!
تعانقه بتلك الطريقة الفاضحة وتقبّله من كتفيه وبجانب أذنه بلهفة، وهو يقف مستجيبًا تمامًا، أو أنها ظنت ذلك من صمته واستسلامه لعناقها، فأمتلأ صدرها بالضيق وركضت ذاهبة لغرفتها لتتحكم بنفسها وتهدأ حتى تعرف منه من هي تلك المرأة ؟!
************
نظرت “راندا” لعينيه بعدما انهالت عليه بالقبل والعناق وقالت بشوق :
_ كنت فين يا أكرم ؟! … أنا كنت هتجنن وأوصلك !!.
بينما كانتا عينا أكرم تدقق النظر لأخيه غير الشقيق في صمت وقسوة، فابتسم “خالد” ابتسامة مصطنعة وقال :
_ كل دي غيبة يا مايسترو؟!! .. أنت بتشوف غلاوتك عندنا ولا إيه ؟!
تحدثت راندا وقالت بتأكيد :
_ هو أكرم محتاج يعرف غلاوته عندنا؟! .. وعندي أنا بالذات ؟
دفعها أكرم بعيدًا عنه فجأة، ونظرت له راندا بشرر ولكنها تحكمت وارتمت عليه من جديد وقالت بدموع :
_ أنا محتاجة اتكلم معاك لوحدنا شوية.. في حاجات كتير أوي لازم تعرفها.
طالعها خالد باحتقار وقال بعصبية وحسم:
_ ده طبعاً بعد ما اتكلم أنا وأخويا الأول و..
قاطعه أكرم بحدة وهو يدفع راندا بعيدًا عنه مرةً أخرى بعصبية:
_ انتوا عايزين مني إيه ومين عرفكم مكاني ؟!
قالت راندا بأنهيار وهي تشير لخالد بالاتهام:
_ أنا فضلت ادور طول الشهور اللي فاتت وقلبت الدنيا عليك، أنا اللي نشرت في الجرايد والتليفزيون خبر اختفائك، وأنا اللي عملت مكافأة للي يدلني عن مكانك .. وأنا اللي بلّغت البوليس بعد ما مشيت من المستشفى ومحدش عارف أنت فين .. محدش كان هيتجنن عليك قدي !!.
تحدث خالد بسخرية مما قالته:
_ ما تقوليش بس أنك عملتي كده عشان خاطر الحب وكده ؟!
وقبل أن تنطق راندا كلمة أضافية قال خالد بتصميم :
_ أنا عايز اتكلم معاك يا أكرم، هقولك كل حاجة وأنت حر بعد كده .. ومش همشي من هنا غير لما اوضحلك كل شيء ..
كادت أن تسحق راندا أسنانها من الغضب وهي تنظر لخالد، حتى كرر أكرم سؤاله من جديد بحدة:
_ مين اللي عرفكم مكاني؟ .. مافيش كلام ما بينا غير لما أعرف !!.
أجاب عليه خالد وقال :
_ في ضابط شافك من فترة في كمين قريب من هنا، وأخو الضابط ده صحفي .. وهو نفسه اللي راندا خليته يعمل البروباجندا دي عليك لما اختفيت .. ولما عرف فضل يدور عليك في المكان لحد ما شافك النهاردة بالصدفة واتصل بيها فورا .. فضل مراقب تحركاتك في كل مكان روحته، وعلى ما وصلنا كنت أنت خرجت من محل صايغ ومشينا وراك لحد هنا .. وكنت أنا مع راندا في النادي .
اعترضت راندا وقالت :
_ تقصد جيت ورايا النادي وبتطاردني في كل مكان !.
سخر خالد وقال باحتقار:
_ طب ما تقوليله بطاردك ليه ؟!
قاطعهما أكرم بغضب :
_ محدش فيكم ليه معايا أكتر من ١٠ دقايق يقول اللي هو عايزه، وبعد كده مش عايز أشوفكم حتى صدفة!.
وصمم خالد أن يكون أول من يتحدث، فذهب مع أكرم لغرفة المكتب
وبداخل غرفة اللمكتب المُغلقة..
وقف خالد ناظرا لاكرم الذي يواليه ظهره متجاهلا وجوده، حتى قال خالد بصدق نادرا ما كان يوجد بحديثه:
_ أنا عارف أن سبب هروبك ده إنك عرفت الحقيقة، أنا فعلًا زقيت راندا عليك من البداية، واتفقت معاها ان اللي هتعرف تاخده منك يبقى بالنص، لكن هي طمعت في كل حاجة .. طمعت في فلوسك وفي شهرتك ونجاحك وفيك أنت شخصيًا .. ما اكتفتش بس بالفلوس ، وأنت قاومت كتير بس في الاخر خطبتها .. رغم إني كنت متأكد انك ما بتحبهاش، وحاولت اثبتلها ده بكل الطرق .. لكن هي كانت رافضة تسيبك!!.
رد أكرم بمرارة مغلّفة بالسخرية:
_ حاولت تثبتلها عشان ترجع توافق على اتفاقكم وتقسموا فلوسي بالنص مش كده ؟! .. أو بالاصح أنت مكنتش بتثبت، أنت كنت بتهددها زي ما حصل في المستشفى وافتكرتوني مش سامع ولا داري ولا بكتشف قذارتكم !! .. كنتوا بتتخانقوا على الورث وأنا مرمي على سرير المستشفى بين الحيا والموت! ..
واستدار أكرم والألم يلتمع بعينيه حينما قال :
_ لكن أنا مهمنيش أي حد فيكم … اللي وجعني هي أمي!! .. أمي اللي كانت سمعاكم وعارفة أنكم اتفقتوا عليا ومحاولتش حتى تنصحني !! .. سابتني لعبة في ايديكم ورضيت تتفرج عليا بكل هدوء .. !
ارتبك خالد وقال :
_ يا أكرم أنت عارف موقف أمي منك سببه ايه، هي مش بتكرهك أنت، هي كرهت فيك حبك لأبوك وتعلقك بيه بعد اللي عمله فيها وطلقها ..
سخر أكرم بمرارة وهو على دراية تامة بما تحمله والده من تلك السيدة القاسية الأنانية خلال فترة زواج استمرت عشرة سنوات، فقال أكرم بألم:
_ أبويا !! .. الله يرحمه، كان انسان طيب واتحمل كتير عشاني .. لكن كل انسان وله طاقة على التحمل.
وصمت الأثنان للحظات حتى قال أكرم مجددًا :
_ أنا سيبتلكم كل حاجة تشبعوا بيها، الفلوس والعربيات والفيلا وكل شيء .. العشر دقايق بتوعك خلصوا، مش عايز في يوم من الأيام يجمعنا طريق.
رد خالد برجاء وقال:
_ قبل ما أمشي هطلب منك خدمة أخيرة يا أكرم .. الخدمة دي ليك قبل ما تكون ليا .. واعتبرها رد اعتبار.
نظر له أكرم بعدم فهم، فشرح خالد وقال :
_ راندا ضحكت عليا ومضتني على ورق، خلتني اتنازلت ليها على كل ورثي .. مش بس اللي أنت اديتهولي .. لأ ده ورثي كله .. والمشكلة الكبيرة أن أمي كانت كتبتلي نصيبها في كل حاجة بيع وشرا .. يعني كده راندا بقت تملك حقي وحق أمي كمان .. وأنت الوحيد اللي تقدر ترجعلنا حقنا منها، وإلا هنترمي في الشارع .. ارجوك وافق.
دهش أكرم للحظات، ولكنه لم يصدم كثيرًا، فهذا المستهتر هو الأبن المدلل لوالدته القاسية، ثم سأل بسخرية :
_ وهي ضحكت عليك أزاي بقا وبأي طريقة عشان تخليك تمضي وتتنازل عن كل ده ؟!.
توتر خالد وهربت عينيه من النظر لأكرم ثم أجاب بحرج:
_ عزمتني في بيتها و ..
استنتج أكرم الأمر وقال بكراهية واحتقار لكلاهما:
_ خلاص فهمت …
سأله خالد بلهفة:
_ يعني موافق تساعدني ؟
صمت أكرم وقد اتخذ قراره، ولكنه لا يريد الأفصاح عنه.
****************
وظلت راندا بردهة القصر الواسعة، تنظر لجميع الاتجاهات بأشمئزاز واحتقار .. حتى رآها الصغير عصفور ووقف ينظر لها بأعجاب وابتسامة، ثم قال :
_ أنتي جميلة أوي زي فوشياكيكا .. مين أنتي واسمك إيه يا عسل ؟!
لم تفهم راندا ما يعنيه الصغير بـ “فوشياكيكا” ولكنها نفخت بنفاد صبر، ورمقته بنفور وعجرفة ولم تجيبه، فكشر الصغير وانكمش ما بين حاجبيه في عبوس وقال :
_ ده أنتي غلسة أوي .. !
اغتاظت راندا ونظرت حولها حتى وجدت عصا صغيرة مُلقاة بأهمال، فأخذتها سريعا ولوحت بها في وجه الصغير قائلة:
_ أمشي من قدامي يا شيء أنت !!
فغر الصغير عصفور فمه بذهول وصاح غاضبا:
_ أنا شيء يا ولية أنتي!! … طب والله لروح واجيبلك العيال صحابي نعرفك مين فينا اللي شيء ..
وركض عصفور ليخرج من القصر حتى اصطدم بجسد شاندو، فوقف الصغير أمامه وهو على حافة البكاء وقال له :
_ الحقني يا شانتو، الولية دي بتقول عليا شيء .. أنا شيء يا شانتو ؟!
تعجب شاندو مما يتفوه به عصفور ثم نظر للجهة الذي يشير لها عصفور واتسعت عينيه بذهول، ثم تقدمت قدميه نحوها وهو لا زال على صدمته من وجود امرأة غريبة بهذا الجمال المُبهر أمامه، وظن الصغير عصفور أن شاندو سيدافع عنه فقال له بإشادة:
_ كبيرنا جالك يا ولية .. هيخليكي أشياء صغيرة قدي كده.
وقف شاندو أمام راندا التي ترميه بنظرات محتقرة وتنتظر أن يتفوه بحرف، فقال شاندو مبتسما باعجاب وقال برقة ومغازلة:
_ غور أنت دلوقتي يا عصفور.
وتوجه لراندا وقال بابتسامة:
_ أنا شاندو .. مش معايا محمول تاخدي رقمه .. بس معايا قلب تحبي تاخديه ؟
كررت راندا كلمته بسخرية:
_ محمول !!!
وبعدها ضحكت ضحكة عالية، فأغتاظ عصفور منه وقال:
_ هو أنا جايبك عشان تشقطها ؟! أهي ضحكت عليك يا عبيط !!.
واستغل شاندو دخولها نوبة من الضحك واقترب منها خطوة أخرى، حتى دفعته راندا بعيدًا وتبدل مرحها بلحظة وعادت لنظراتها المشمئزة من كل شيء حولها وقالت :
_ ابعد عني يا حيوان أنت وهو !!
ظهر الانفعال على وجه شاندو وقال بعصبية:
_ لأ هنا وأقفي عندك .. حلاوتك دي مش هتنفعك لما اخرج عن شعوري واتنرفز .. أنا محترمك بس عشان أنتي حلوة بصراحة.
أجابت راندا عليه بصفعة على وجهه جعلت شاندو يتسمر مكانه للحظات، وفوجئ الجميع بظهور جيهان وهي تهبط على الدرج بسرعة عالية وتتوجه نحو راندا بنظرات نارية وصاحت بوجهها:
_ أنتي بتمدي إيدك عليه ليه؟! .. أنتي مين أصلًا ؟!
نظرت راندا لجيهان من رأسها لأغمص قدميها في دهشة وسألتها نفس السؤال:
_ أنتي اللي مين وبتعملي إيه هنا ؟!
ركض الصغير عصفور نحو جيهان وتمسك بها في حماية وقال :
_ دي أمنا يا ولية يا غلسة أنتي .. فوشياكيكا.
ربتت عليه جيهان برفق ونظراتها النارية لا زالت مصوّبة نحو راندا بشرر، وقبل أن تنطق راندا بكلمة، خرج أكرم من غرفة المكتب وتفاجأ بوجود جيهان، فنظر لها بارتباك لما تلاحظه عليه قبلًا، فتوجهت راندا بالسؤال له وقالت بعصبية :
_ مين دي يا أكرم وبتعمل ايه هنا ؟!
هتفت جيهان وهي تشعر بأن لها كل الحق أن تسأله نفس السؤال :
_ وأنا كمان عايزة أعرف مين دي وبتعمل إيه هنا؟!
اجابت راندا عليها وقالت وهي تتأبط ذراعه بتملك ومكر الأنثى :
_ أنا خطيبته وقريب هبقى مراته .. أنتي بقا مين ؟!
ظهر الرعد بعيني جيهان وهي تنظر له بصدمة، وبعد لحظات سألته بصوت مرتعش :
_ دي خطيبتك ؟! .. أنت خاطب ؟!!!
الرد الذي يريد قوله لن يتناسب مع خطته للإيقاع والأنتقام من تلك الخائنة والسارقة التي تتمسك به الآن كالأفعى، فقال بعدما قرر متابعة خطته وتعويض جيهان بالشرح الوافي لاحقا :
_ ايوة خطيبتي .. راندا.
واضافت راندا :
_ وهنتجوز قريب … مش كده يا حبيبي؟
تنفس أكرم بصعوبة وعينيه على جيهان بأسف واعتذار شديد، ولكنه اومأ رأسه بالموافقة على ما قالته.
وابتلع ريقه بقوة عندما امتلأت عينا جيهان بالصدمة والدموع، وتخشب جسدها للحظات قبل أن تستطيع الفرار والركض من أمامهم وهي ترتقي درجات السلم باكية .. وتابعها أكرم بنظرات سخط وغضب من نفسه .. ولكن الفيصل هو الوقت القليل الذي سيتخذه للإنتهاء من تلك المسرحية السخيفة ..
وهنا خرج خالد ونظر لأخيه اكرم وقال :
_ أتمنى ما تصدقهاش في اللي هتقولهولك زي ما عملت معايا .. دي …
قاطعه أكرم بصفعة مفاجئة كانت مدرجة ضمن خطته، ورغم صدمة خالد في البداية إلا أن نظرة أكرم التي ضاقت أخبرته بالسيناريو السريع، فشاركه خالد وقال بغضب :
_ القلم ده هيتردلك قريب يا أكرم أنت واللي واقفة جانبك!.
هتف به أكرم وقال :
_ اطلع برا .. مش طايق أشوفك قدامي.
وراقبته راندا بابتسامة شامتة وهو يخرج راكضا للخارج، ثم نظرت لأكرم وقالت :
_ كده احسن ويستاهل .. أنت ما تعرفش اللي عمله عشان يفرق ما بينا !!
نظر لها أكرم نظرة ساخرة ثم دخل مكتبه في ثقة واغلق الباب خلفه، فأسرعت راندا وطرقت على الباب بخفة خوفا أن تقتحم المكان وتغضبه أكثر، ففتح أكرم الباب وفجأة سحبها من ذراعها للداخل واغلق الباب مجددًا مع ضحكة راندا التي ارتفعت مرة أخرى وتردد صداها بالمكان، فنظر عصفور لشاندو بدهشة وقال :
_ هو في إيه ؟!
أجاب شاندو بعدم فهم وقال:
_ مش فاهم أيتها حاجة !! .. بس أنا حاسس أني شوفت راندا دي قبل كده.
وافقه الصغير عصفور وقال:
_ وأنا حاسس برضه .. بس مش عايز افتكرها، أصلها غلسة أوي !.
ربط شاندو الخيوط ببعضها وقال :
_ هي قالت انها خطيبته، ايوة كده صح، يبقى هي دي اللي قابلتنا في المستشفى وطردتنا .. بس غيرت لون شعرها عشان كده ما افتكرتهاش.
قال عصفور بكراهية:
_ هي دي أشكال تحب تفتكرها أصلًا !!..
وبعد جدال استمر للحظات قليلة انصرف الصغيران وخرجا من القصر، بينما كانت تقف جيهان على السلم بعدما توقفت وهي تركض منذ قليل وقررت مواجهته الآن تحديدًا .. ولكنها مع الأسف رأته وهو يجذب تلك المرأة من يدها للداخل، وسمعت ضحكتها الخليعة، فحررت دموعها لبعض الوقت قبل أن تقف أمامه .. وعندما نزلت اقتربت من باب غرفة المكتب ببطء حتى وقفت أمامه، وبينما كادت أن تطرق انتبهت للحديث بينهما الذي كان مسموعا لحد يسمح لجيهان أن تنتبه لكل كلمة .
***************
كانت قد اقتربت راندا من أكرم كعادتها ووضعت يديها على صدره وهي تقول :
_ كنت متأكدة أنك مش هتصدقه في ولا كلمة قالها .. اكيد قالك أني اخدت منه كل حاجة مش كده ؟! ..ايوة انا بعترف أني عملت كده، بس عارف أنا عملت كده ليه ؟ .. عشان عرفت أن خلى أمه تتنازله عن حقها بالكامل .. ده غير اللي خده منك، كان مخطط يفضل ياخد منك حاجة ورا حاجة لحد ما يبقى كل شيء بتاعه وملكه، أنا بقا ضحكت عليه وخليته يجيلي لحد عندي وبكلمتين عرفت اضحك عليه وكتبلي كل حاجة .. وعشان تصدقني أنا مستعدة ارجعلك كل حاجة يا أكرم بس ترجع معايا .. انا بحبك وهفضل أحبك طول عمري .. وعمري ما هسمح لمخلوق يستغلك أو يسرقك حتى لو كان أخوك نفسه .. أنا هفضل في ضهرك وسندك طول ما فيا نفس كنت حاضر أو غايب ..
ابتسم أكرم لها وهو يضمها ورغبة قوية مكبوتة بداخله لأن يلفظها خارجا .. وقال :
_ أنا عارف ومتأكد من اللي بتقوليه .. وصدمتي كانت فيه وفي أمي .. لكن أنتي كنت عارف أنك مش هتسمحي لحد يستغلني وهترجعيلي حقي .. وان كل اللي عملتيه كان عشان خاطري.
نظرت له راندا وهي ستقفز من السعادة وقالت :
_ يعني هترجع معايا ؟
أجاب بعد فترة صمت وقال :
_ هرجع .. لكن هرجع وأنا قوي ، عايز ارجع زي ما مشيت .. لأني هنتقم من كل حد فكر يستغلني ويسرقني في يوم ..
قالت راندا بلهفة دون تفكير :
_ يبقى ترجع معايا المهاردة وهأكدلك بنفسي صدق كلامي، هتنازلك عن حق خالد وأمه اللي بقا باسمي .. وأنت بقا تتصرف معاهم .. بس ده طبعا بعد جوازنا.
ضيّق أكرم عينيه وتصنع الصدمة وقال :
_ انتي بتساوميني يا راندا؟! .. انتي لو عملتي كده عشاني مش هتترددي لحظة انك تتنازلي حتى قبل الجواز ! .. يعني لو اجلت الجواز شوية لحد ما اخلص من المشاكل بتاعت الصحافة والشغل اللي اتلغى وشروط الجزاء اللي لازم تتنفذ وتتدفع هتفضلي معلقة التنازل مش كده ؟!
ودفعها بعصبية بعيدًا عنه .. فقررت أن تضحي بهذا الجزء الآن وتؤكد له صدقها طمعا في الكل لاحقا، فقالت بتأكيد :
_ لا يا أكرم مش بساومك .. الورق والأمضا وكله يخلص في ساعة زمن مع المحامي بتاعي .. ولو عايز دلوقتي تيجي معايا موافقة .. عرفت بقا أني بحبك بجد ؟
نظر لها وعادت ابتسامته المزيفة، فاقتربت منه وقالت بتقطيبة:
_ بس قولي … مين الست اللي برا دي وبتتكلم معاك كده ليه ؟!
ولكي لا يثير شكوكها قال :
_ دي واحدة كانت في رحلة وتاهت ، وفضلت هنا لأن الولاد اتمسكوا بيها ..
سألته بإنفعال:
_ طب وأنت .. كنت متمسك برضه ؟ … أصلي عرفاك ، زير نساء.
ارتفعت ضحكة أكرم وأجاب بتلاعب كاذبا :
_ وجودها مش مضايقني .. بس مش مهم بالنسبالي .. أنتي عارفة كويس مين هي اللي وجودها يفرق معايا !! .. كل واحدة دخلت حياتي كان دخولها مؤقت .. إلا أنتي .. بكلمة منك بتشقلبي حالي !.
ضحكت راندا مرةً أخرى بغرور ثم قالت بثقة :
_ كنت متأكدة من ردك ..
وبعدها لم تسمع جيهان لهما صوتا، ووقفت متيبسة الحركة، قلبها القي بالجمر الملتهب، نظراتهما المفعمة بالحنين لبعضهما لا تقول سوى أنهما لا زالا حبيبين ! .. هماستهما وحديثهما الخافت لبعضهما لا يخبرها سوى شيئا واحد.
مرةً أخرى هي طرفا ثالث.
طرف ثالث لخط مستقيم هي إنحرافه الوحيد
وشخصية صامتة بـ دراما تتكرر معها دائما
بديلة لظل أمرأة أخرى حينما عاد الأصل أدار ظهره للبديل، بينما ذراعيه تستقبل صاحبة الظل بحفاوة، التي أخذت ظلها مؤقتا، الهروب الآن أصبح واجب ومسؤولية.
لم تنتظر أن تخبر أحدًا، لم تنتظر أي شيء، فقد خرجت راكضة من القصر وتركت ورائها ذكريات لا تنسى .. ورجل سينقلب لوحشا مخيف بمجرد أن يدرك هروبها.
وبينما خرجت جيهان من القصر وجدت السيارة التي أتت بها راندا وكانت تستعد للمغادرة بقيادة خالد، الذي للتو أنهى مكالمة أخرته عن الذهاب، فقالت له:
_ أنت راجع القاهرة ؟
نظر لها خالد وتفحصها سريعا، ثم قال بابتسامة ماكرة وبعض التعجب:
_ آه .. في حاجة ؟!
سألته جيهان وهي تمسح دموعها :
_ ممكن تاخدني معاك ؟
رحب بها خالد وقال وهو يدعوها للجلوس بجانبه :
_ طبعا …اتفضلي!.
وانطلقت السيارة تنهب الطريق سيرا، وكانت قلقة بأن يخبر أكرم، ولكن ثرثرة ذلك الخالد كانت أبعد عن هذا الشيء، فكان ثرثار لدرجة مزعجة، حتى أنها تظاهرت بالنوم كي يصمت وينهي أحاديثه الفارغة والتافهة ..
**************
وبعد أنقضاء ساعاتٍ طويلة أوقفته جيهان أمام المشفى التي تملك جزءً منه وقالت :
_ نزلني هنا لو سمحت.
وبعدما وقف خالد بالسيارة وقال مبتسما:
_ بيتك هنا ؟ .. طب ممكن تعزميني على فنجان قهوة ؟!
خرجت جيهان من السيارة وتجاهلته تماماً وهي تسرع للداخل، وظل خالد فاغرا فاه من ردة فعلها الخالية من اللياقة، وانصرف بسيارته وتابع طريقه …
بينما ركضت جيهان وجميع العيون تتبعها بدهشة حتى وصلت لمكتب وجيه بأحد الطوابق، وعندما فتحت الباب وجدت وجيه يستعد للذهاب وهو يحمل مفاتيح سيارته .. ونظر لها بمفاجأة ودهشة لوهلة ثم ابتسم وقال بترحاب وارتياح:
_ جيهان ؟! .. حمد الله على سلامتك كنتي فيــ…
ولم يكمل كلمته الأخير حتى سقطت جيهان أمامه مغشيًا عليها ..
__________________

يتبع…

لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا

لقراءة باقي حلقات الرواية اضغط على : (رواية سيد القصر الجنوبي)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *