روايات

رواية وجلا الليل الفصل الأول 1 بقلم زكية محمد

رواية وجلا الليل الفصل الأول 1 بقلم زكية محمد

رواية وجلا الليل البارت الأول

رواية وجلا الليل الجزء الأول

وجلا الليل
وجلا الليل

رواية وجلا الليل الحلقة الأولى

يتمدد على الفراش يلتقط أنفاسه الأخيرة، حيث اشتد عليه الإعياء على غير العادة، فهو مريض قلب وعلى الرغم من إجرائه لإحدى العمليات، إلا أنها لم تجدي نفعًا .
خيم الحزن على الجميع أو لنقل بعضًا منهم، خشية أن يفقدوا ذلك العامود الذي يرتكزون عليه، فهو روح المنزل وسعادته والرباط الذي يحافظ عليهم جميعًا.

جلست إلى جواره، وأخذت تتطلع يمينًا ويسارًا، وعندما لم تجد أحد هتفت بهمس إلى جوار أذنه :- فرصتك چات لحد عنديك يا سالم .

زفر بعدم ارتياح قائلًا :- وه يا زبيدة وهنعمل إكدة كيف، والعيال فوق راسه ؟

هزت رأسها بنفاذ صبر وقالت بحزم :- بقولك إيه فتّح عنيك معاي، أخوك چاي في الطريق وأنت لازمًا تتصرف قبل ما يطب، وإلا ساعتها مهتقدرش تعمل أيوتها حاچة .

هز رأسه بموافقة، وأردف بمكر الشياطين :- عنديكِ حق، خلاص الليلة هتم كل حاچة قبل ما عامر يعاود .

بالداخل يجلسون الأحفاد حول جدهم، منهم من يبكي بصمت، ومنهم من يتألم من الداخل، فلا يوجد ما بوسعهم فعله لإنقاذه، خرجت شهقة مسموعة منها لم تستطع إخمادها، وعندما علمت بمرضه لم تتوقف عن البكاء، حاوطتها شقيقتها الكبرى بحنان وهي تحاول السيطرة عليها، ولكنها لم تفلح .

دلف “سالم” ونظر للبقية بهدوء، جلس بجوار والده وهتف بحزن متقن :- ربنا يشفيك يا أبوي وترچع لينا من تاني .

بعد وقت كان الفتية يجلسون في أماكن متفرقة، أما هو كان برفقة صديقيه اللذان أتيا لمؤازرته، انخرط معهم في الحديث لعله ينسى بعضًا من سِقمه .

بعد أن خرجت تسللت للخارج كعادتها، وذهبت إلى حيث يتواجد هو، اختفت خلف الشجرة كي يراها ويصب جام غضبه عليها، ذمت شفتيها بحنق منه ومن صياحه المتكرر عليها، اشرأبت بعنقها قليلًا لتظر جزء صغير من رأسها وعينيها، حتى تتمكن من مراقبته .

شرع في اللعب مع رفيقيه بعد أن نسي أمر جده، ولم لا وهو صغير الذي لم يتعدى الخامسة عشرة من عمره، أخذوا يركضون وهم يلعبون الكرة، صرخت على حين غرة عندما اصطدمت الكرة برأسها بقوة، بعد أن ركلها أحدهم بغير قصد وهو يراقب انفجارها في البكاء بقلق، تقدم هو نحوها كالقذيفة وجذبها من يدها الصغيرة قائلًا بحدة أفزعتها :- إيه اللي چابك إهنة ؟ أمشي على الدار طوالي .

وضعت يدها على رأسها بوجع، حينما ارتدت رأسها للخلف واصطدمت بالشجرة، صرخت بفزع عندما رأت يدها ملطخة بالدماء فهتفت بطفولية وذعر :- دم، دم، هموت .

مسك يدها برفق قائلًا بقلق وهو يتفحص رأسها :- بس بطلي بُكا مفيش حاچة دة چرح صغير .

إلا أنها لم تتوقف عن البكاء، فصرخ بوجهها بغضب، فهو الآن موضع إتهام بإصابتها بهذا الشكل من قبل زوجة عمه التي دومًا ما تتهمه بالتقصير في رعايتها، فهي ليست أول مرة تعود برفقته بإصابة كهذه :- قولتلك بزيداكِ نواح، مرايدش اسمع نفسك، سامعة ؟

هزت رأسها بنعم، ووضعت يدها الرقيقة فوق ثغرها كي لا يخرج صوتها، فلا تتعرض لسخطه ثانية، بينما فحص هو تلك الندبة والتي نزفت على إثرها، ولكن بشكل لا يدعو للخوف، تألمت من ضغطه عليها فما كان منها سوى أن تضغط على عنقه دون أن تلاحظ أظافرها الطويلة، والتي خدشته في الحال مما أدى إلى أن ينفضها بعيدًا عنه وأردف بوجع مكبوت :- أنتِ هبلة !

أجابته ببراءة وهي تهز رأسها بلا :- لاه، أنا شمث .

كز على أسنانه بعنف، والتقط يدها وأخذ يسير بسرعة، ركضت هي خلفه لتتماشى مع خطواته، بينما وقف هو على بعد من المنزل، يحاول أن يجد له حيلة لتخلصه من هذا المأزق، نظر لها بضيق وهو يود أن يفصل رأسها عن جسدها، تجلب له المصائب مرارًا وتكرارًا دون جهد يذكر، حدجها بنظرات دبت الرعب بداخلها، وأخذ يقترب منها كما يتربص الصياد بفريسته، أما هي تراجعت للخلف بخوف ووضعت يديها على وجهها لتحتمي من صفعته، فهي ظنته سيضربها كما يفعل والديها، وأردفت بهلع :- خلاث، خلاث مش هبكي تاني .

تنهد بضجر ولوهلة لعن نفسه أنه أوصلها لتلك الحالة، فأمسك يديها برفق وأردف بنبرة حنونة، لا تتماشى مع قسوة ملامحه :- متخافيش مش هضربك، بس لازمًا تسمعيني زين، أتفقنا ؟

أومأت بنعم فتابع هو بصرامة وتهديد حاول أن يكون هادئً فيه على قدر المستطاع :- أوعاكِ تقولي لحد على اللي حُصُل دلوك، وخصوصي أمك فهماني ؟

هزت رأسها بموافقة قائلة ببعض الذعر :- ماشي مش هقولها حاچة، بث هي هتوچعني لما تعملي شعري .

زفر بحنق وأردف بهدوء :- أنا هبقى أكدوا يا ستي، بس مقولتيش إيه اللي خلاكِ تمشي وراي، مش مية مرة أقولك رچلك ما تخطيش برة عتبة الباب ؟

عقدت ذراعيها ببعضهما وهي تنظر للأسفل بعبوس، وأردفت بخفوت :- محدش بيلعب معاي في الدار، چدي بث اللي كان بيلعب وياي، بث هو عيان وعيشة كبيرة، وراضي العفش بيزعقلي، و…..

قاطعها بتأفف من ثرثرتها :- بس خلاص أفصلي ، تعالي أغسلك يدك وشعرك دة من الدم، وزي ما اتفقنا ولو سمعتي كلامي هچيبلك حاچة حلوة .

لمعت مقلتاها ببريق الفرح قائلة بلهفة :- هتچبلي بوظة كتير ؟ بقلم زكية محمد

رفع حاجبه باستنكار، وسرعان ما أردف بهدوء مغاير :- ماشي يلا .

••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••

ليلًا خرج بحذر وهو يسير كاللص نحو غرفتهم، وما إن ارتقى درجات السلم طواها في ثانية، ليصل لغرفته بأقصى سرعة لديه، أغلق الباب بإحكام ثم بدأ يلتقط أنفاسه بصعوبة، أتاه صوت زوجته الذي خرج بقلق بالغ :- ها يا سالم طمني عملت إيه ؟

ابتسم بانتصار وهو يرفع ما بيده صوب عينيها وقال بفرحة عارمة :- خلاص كل حاچة تمت كيف ما إحنا رايدين .

تهللت أساريرها قائلة بجشع ودلال :- إكدة تبقى چوزي وحبيبي صُح، اللي خايف على مستقبل عياله ورايدلهم الخير، يلا بسرعة حُطها في الخزنة قبل ما حد يوعالك .

أومأ بنعم ونفذ ما أملته عليه، ليخرجا بعد ذلك سويًا وحاولا على قدر المستطاع أن يظهرا على طبيعتهما، حتى لا يثيرا الشكوك حولهما.

★★★★★★★★★★★★★★★★★★★

في الصباح التالي وصل الابن الغائب، بعد عودته من إحدى البلدان الخليجية والتي يعمل بها لسنوات.
بعد أن لاقى استقبالًا حافلًا به من قبل أفراد أسرته، ولج للغرفة القابع بها والده، التقط يده وقبلها بشوق وحزن في آن واحد، سقطت عبراته رغمًا عنه وهتف بصوت أجش :- قوم يا أبوي ما أتعودتش على إكدة منك، قوم .

ولكن لا حياة لمن تنادي، فهو في عالم آخر حتى أنه لم يشعر بوجوده، نكس رأسه للأسفل بقلة حيلة وتابع بخفوت :- يارب، اللهم لا اعتراض على قضائك .

بآخر اليوم صعدت الروح لخالقها، وامتلئ المنزل بالصيحات والبكاء، أتين النسوة لتقديم واجب العزاء، بينما نُصِب صوان في المكان المخصص للرجال .

تجلس الصغيرة في أحضان زوجة عمها بعد أن دلفت في موجة صراخ وبكاء عنيف، فالبرغم من صغر سنها إلا أنها تفطن ماهية الموت، عندما حدثها عنه الراحل في وقت سابق، نظرت لها قائلة بحزن وكلمات شقت قلب الأخرى :- مين هيقعد مع چدي هو لحاله دلوك، خليني أروح عنديه .

شددت من إحكام ذراعيها حولها، وقبلت رأسها بلهفة وقالت :- بعد الشر عنيكِ يا بتي، هو مش لحاله چدتك وياه بتونسه .

أطبقت شفتيها بشفقة عليها وعلى تفكيرها المتمركز حول جدها، ولها كل الحق فمن لا يحزن عليه ؟

بعد مرور أسبوع قرر “عامر” البقاء وعدم السفر ومساعدة شقيقه في الأراضي الزراعية التي تركها لهم والدهم، وكان هذا القرار بمثابة النيران التي ستشتعل في صدر الآخر، فرح أولاده كثيرًا بهذا النبأ لمكوثه إلى جوارهم، لتمر الأيام تليها الشهور، منهم من يزرع حقدًا وكرهًا بالقلوب، ومنهم من يزرع بذور الخير، والتي سيحصدونها عما قريب سواء بالنفع أو الضر . بقلم زكية محمد

///////////////////////////////////////////////////////////////

في ردهة المنزل الكبير يجلس على الطاولة يترأسها، وعلى يمينه زوجته وابنتيه وولده، وعلى يساره عائلة شقيقه الأكبر المكونة من ثلاثة فتية، يتناول فطوره بوجه عابس وعقله يفكر في الأراضي الزراعية خاصتهم، ماذا سيفعل بعد أن توفي والدهم وترك لهم تلك الحصة الوفيرة من الفدادين، استحوذ عليه الشيطان المتمثل في زوجته والتي تحثه مرارًا وتكرارًا على أن لا يدع تلك الأطيان تذهب من أيديهم فهم أولى بها وخاصة هو الذي كان يعمل مع والده بكد في تلك الأراضي، في ظل غياب الابن الأكبر في دول الخليج التي كان يعمل بها، وها هو عاد بمبلغ كبير يؤمن بها مستقبل ابنائه، أما هو بقي هنا إلى جوار والده لذا هو الأحق بها، ابتسم بخبث وهو يتذكر كيف جعل والده يوقع على نقل ملكية الأراضي تلك له في فترة مرضه، حيث سولت له نفسه بالسوء، وها قد حصل على كل أملاك أبيه وكل شيء بالقانون فلم يغفل عنه شيء .

عودة بالخلف قبل وفاة والده بيوم واحد، حيث دلف للغرفة خلسة وهو يراقب الطريق جيدًا، وبيده أوراق وعلبة بها حبر، وقف قبالة أبيه الذي كان غارقًا في النوم، ومسك أصبعه بحذر وقام بدمغه على الحبر ليضعه بعدها على الأوراق، والتي تنص على نقل كل الأراضي الزراعية من حوزة والده إليه، فقد قام بتحضير الأوراق بشكل قانوني، لينهيها بشكل قانوني أيضًا ولكن به بعضًا من الخسة إن لم يكن كله.
محا أي آثار بيده ومن ثم غادر الغرفة بهدوء كما أتى أول مرة، ليفر هاربًا للأعلى وابتسامة شيطانية تحلق على ثغره بعدما أنهى خطته .

عاد من شروده على صوت شقيقه “عامر” الذي هتف بهدوء :- بقولك يا أخوي هنزرعوا الأرض إيه؟ قمح ولا قصب؟

رفعت تلك الأفعى حاجبها بعدم رضا على حديثه، لتحول نظرها ناحية زوجها الذي هتف بهروب :- هنزرعها قمحيات بإذن الله.

ابتسم بخفوت قائلًا بحنين :- الله يرحمه بوي كان بردك لو عايش كان هيقول إكدة.

أردف بضيق خفي :- أومال إيه دة أنا قاعد معاه بقالي زمن خابر مخه زين وكيف بيشتغل، الله يرحمه.

هز رأسه بموافقة قائلًا بصفو نية :- طيب هنبتدي ميتى ؟

ضيق عينيه قائلًا بغضب مكبوت :- لاه أنت متشغلش بالك هتولى كل حاچة بنفسي.

أردف بنفي قاطع :- وه كيف يا أخوي أهملك لحالك؟ مش دي أرضنا يبقى نزرعوها سوا.

صمت والغيظ يتآكله وهو غير قادر على الإفصاح بأن الأرض سارت له على الأقل الآن حتى يتم تسوية الأمور، فما كان منه سوى أن يذعن لطلبه، إذ هتف بغل حاول مداراته قدر المستطاع :- وماله يا عامر نروح بعد الفطور ونشوف نعمل إيه؟

ليطالعه بحنق داخلي وأخذ يتمتم بداخله بخبث :- وماله أفرحلك يومين قبل ما توقع على چدور رقبتك يا واد أبوي . بقلم زكية محمد.

استمر في العمل معه بكد وجد لم يبخلهم على شقيقه في سبيل أن يخرج المحصول بأكثر إنتاج، ومن أجل أن لا يفقدوا سمعتهم في السوق، والتي وعد والده بأن تكون عالية كما حافظ عليها هو في حياته، فإنه سيفعل المثل وسيسير على خطاه .

كان الآخر يراقبه بخبث، فليتركه لأضغاث أحلامه ويفوز هو بكل شيء، أخذ يفكر في كيف ستكون ردة فعله عندما يعلم ؟
أسودت عيناه فجأة بظلام قاتم، ولهيب حقد زرعه المفقود بدون قصد بينهما، حينما كان يتحدث عنه كثيرًا ويمدحه ويثني عليه، وبالمقابل لم يفعل معه سوى أنه رجل تابع لكلمة امرأته، وهذا ما زاد غله تجاهه فليثبت له بأنه الأفضل، وسيرى ماذا سيفعل في القريب العاجل ؟

**********************************

وبعد مرور ثلاثة أعوام قضاها مع شقيقه، وهو يزرع ويحصد ويتعب ولا يعرف أنه يزرع في أرض موبوءة لا خير فيها، حتى أتى ذلك اليوم الذي قسم العائلة وفرق بينها، إذ فكر ” عامر” بإحدى المشاريع وأراد تطبيقها على أرض الواقع، فذهب لشقيقه ليستشيره في هذا الأمر، وجده جالسًا بمفرده فوجدها فرصة وعليه اغتنامها، ابتسم له بود وهتف بهدوء :- زين إنك قاعد، كنت رايد أتحدت وياك في موضوع إكدة.

رفع عينيه وصوبها نحوه بشك قائلًا :- خير يا واد أبوي أتحدت .

أردف بهدوء وهو يحاول أن يشرح له ذلك المشروع الذي سيستفادوا منه :- بقول يعني الفدانين اللي حدانا في الأرض القبلية ملهومش عازة وواقعين علينا بخسارة، لو نبيعهم يعني ونستفاد بالقرشينات ونعمل بيها مشروع .

رفع حاجبه باستهجان قائلًا :- كيف يعني ملهاش عازة ؟ هو في أرض ملهاش عازة !

هز رأسه بتوضيح وأردف بمحايلة :- مش القصد، بس يعني كيف ما أنت خابر بتاخد سماد كتير ومچهود وإنتاچها قليل وبعيدة على الدوار .

غمغم بضيق وردد بصرامة :- شوف يا عامر أرض أبوي مهيتباعش منها شبر، وإن كان على الفدانين دول متحملش همهم سيبها للي خابر بأمورها .

تعجب من لهجته تلك، ولكنه نفض تلك الأفكار بعيدًا عن مرمى عقله، لتمر الأيام وهو يلاحظ أن شقيقه يقصيه عن أي شيء يخص الأرض، وعدم إخباره عن أي شيء يخصها، وعندما بلغ الأمر الآفاق، ونضح الإناء بما فيه سأله بدهشة :- سالم هي إيه الحكاية ؟

ضيق عينيه بعدم فهم مصطنع قائلًا :- حكاية إيه ؟

زفر بضيق وأردف بغضب مكبوت :- يعني أنت ما خبرش ؟ كني مليش لازمة لا خابر الأمور ماشية على وين ولا چاية منين .

أردف بعدم اكتراث :- وتخبر ليه وهي ما تخصكش من أساسه .

أردف بانفعال :- متخصنيش كيف ؟ مش أرضنا دي ؟

ضحك بصوت عال جلجل في المكان وتابع بمكر :- قصدك تقول أرضي، أرضي أنا يا عامر .

جعد جبينه بذهول قائلًا :- أرضك كيف يعني ؟

قطب حاجبيه بحنق وأردف بإهمال دون أن ينظر للآخر :- اللي سمعته، دي أرض أبوي كتبهالي، يعني أنت ملكش شبر فيها أنا سايبك چميلة مني تبرطع فيها وتاكل من خيري أنت وعيالك .

كاد أن يعصف به الجنون، وتصيبه ذبحة صدرية من هول ما سمع ليردد بعدم تصديق :- أبوي كتبهالك ؟ أنت كداب أبوي ميعملهاش واصل .

ضحك بتشفي وتابع بخبث :- لا عملها وكله بالقانون، لو ممصدقش أچبلك الورقات تثبت .

جلس بإهمال وهو يستوعب كم الكارثة التي حلت عليه، بينما أردف الآخر بقسوة دون احترام ومراعاة لفرق السن بينهما :- يعني دلوك أنت ملكش حاچة غير الدار اللي برضوا هيتقسم بيناتنا .

رفع شفته بتهكم قائلًا :- وچاي على نفسك ليه هي چات على البيت يعني !

تنهد بكمد مكتوم وردد بكذب :- مليش صالح روح قول لأبوك مش أنا.

مط شفتيه بلوم قائلًا :- الله يرحمه يا سالم، ولما هو كتبهالك مقولتش ليه ؟ هحسدك يعني ولا هكرهلك الخير !

أردف بمبالاة :- احسبها كيف ما أنت رايد، الأرض دي بتاعتي أنا اللي شقيت عليها السنين دي كلاتها، مش هتاچي أنت وتنهب الچمل بما حمل .

طالعه بوجع فلم يكن يتوقع أبدًا أن يكون بهذا الحقد الذي يشع منه كالشمس الحارقة، التي تسلط أشعتها الساخنة فتضر من يتعرض لها، وهكذا هو فقد أصابه حقده بالحزن والوجع الذي كاد أن يقتلع فؤاده، نظر في عينيه مباشرة وتحدث بنبرة يشوبها الفجع :- والله ما زعلان على الأرض قد ما زعلان عليك ومنك، زعلان عشان خليت الشيطان يدخل بيناتنا ويوصل بينا للحالة دي .

زمجر بسخط قائلًا بامتعاض :- أيوة أقعد رُط بحديتك دة، بس أنا مش كيف أبوي هسلمك ودني تسحر فيها وأنا أمشي وراك .

صاعقة رعدية نزلت عليه من السماء، وهو يطالعه بذهول ويتسائل ، هل هذا هو أخيه بالفعل أم شخص آخر ؟ بينما تابع الآخر بغل :- قعدت تدحلب لحد ما طويته تحت چناحك، ملهوش سيرة غيرك، عامر راح، عامر چه، عامر سوى كأنك سحرتلوا واحنا ما نخبرش .

هز رأسه بصدمة وعقله يرفض تصديق ما يحدث أمامه، ليتابع الآخر بجنون وهو يخرج مكنونات صدره من غل نحو أخيه، والذي نجح الشيطان بجدارة في زرعه، حتى بات استأصاله مستحيلًا :- روحت وچبتلك قِرشينات تأمن بيها مستقبل عيالك، مستكتر عليا أأمن مستقبل عيالي !

أردف بصياح ووجع :- لو قولتلي رايد القرشينات كنت رميتها تحت رچلك بس متوقفش قصادي وأنت كارهني إكدة، ملعون أبو القرش لأبو الأرض اللي يخلي أخ يكره أخوه عشانها .

صمت يبتلع تلك الغصة التي تشكلت بحلقه، وهو يكاد يهوى أرضًا فما عاد بمقدوره التحمل أكثر من ذلك، حدجه بنظرات تحمل الشفقة والعتاب معًا وأردف بأسف :- ماشي يا سالم وأنا هريحك مني ومن عيالي، وههملك الدار كمان هي چات عليه .

ثم سار نحوه وتوقف قبالته قائلًا بتحد :- بس راچع تاني، أوعاك تفكر إنك إكدة فوزت، لاه يا واد أبوي .

أردف باستخفاف وسخرية :- أنت مفكر بقرشيناتك دي هتناطحني ؟ بكرة أنت اللي تشوف لما عيالي يبقوا أحسن من عيالك ويدوسوا عليهم .

صرخ بغضب وهدر بعنف :- أنا لحد دلوك بقول أخوي الصغير ومواعيش للي بيعمله، بس عيالي مش مداس يا سالم، وحق كل كلمة قولتها لأندمك عليها، وهتخبر زين مين اللي هيضحك في الآخر .

طالعه بنظرة استهزاء ليقابلها الآخر بتحدٍ وإصرار، سيريه من سيفوز ومن له الغلبة.

بعد دقائق معدودة يقف قبالة زوجته التي ابتسمت بنصر، تبخ له السم الذي سرى بعروقه :- أيوة زين إكدة، لما نشوف أمينة هتعمل ايه، أم الوِلِدة .

قوس شفتيه بغيظ وأردف بغل :- أيوة أم الوِلِدة، مش أم البِنتة .

رفعت حاجبها بضيق قائلة بحدة :- قصدك إيه يا سالم ؟

غمغم بسخط :- مقصديش حاچة .

ربتت على كتفه بلهفة قائلة بخبث :- ودلوك خلينا نتفرج إيه اللي هيُحصُل ؟ دة أنا هفش غليلي من بت عبد العليم المتفرعنة دي .

بينما على الجانب الآخر هتفت بهلع :- كيف دة يا عامر ؟ وهنهمل مطرحنا ونروح وين ؟

هتف بلطف وشبح ابتسامة :- متخافيش ربنا مش هينسانا، إحنا هنندلى إسكندرية .

ضربت على صدرها بيدها بفزع قائلة :- إسكندرية ! واحنا نعرف مين إهناك ؟ لاه خلينا إهنة وسط ناسنا .

أردف بهدوء :- أنا ليا زميل إهناك كان وياي لما كنا في الإمارات، وحداه عمارة فاضية هناخدلنا شقة ونقعدوا فيها لحد ما ربنا يسهل، يلا أچهزي وچهزي العيال خلينا نمشي . بقلم #زكية_محمد

***********************************

يجلس على ضفاف الترعة مع أصدقائه يتشاورون بشأن الكليات اللاتي سيلتحقون بها، بعدما أنهوا امتحاناتهم وظهرت النتيجة الخاصة بهم، لمحها من بعيد مقدمة نحوه بمنظرها المشعث، نهض من مكانه مسرعًا نحوها، أما هي هتفت ببكاء وهي تشير لثوبها الملطخ بالطين وشعرها الغير مرتب :- يحيى البت زينب ضربتني .

غرز أصابعه في خصلات شعره بغيظ قائلًا بغضب مكتوم :- وينها دي تعالي وريهاني .

مسكت كفه وأخذت تركض، بينما أردف بصرامة :- براحة لتتكفي على بوزك يا سوكة العبيطة .

جعدت أنفها بطفولية قائلة :- أنا مش سوكة أنا شمس .

ضحك بخفوت قائلًا بقلة حيلة، فلماذا تلجأ له عوضًا عن البقية ؟ :- طيب قدامي تعالي وريهاني دي .

أردفت بحماس وقد توقفت عن البكاء :- امشي بسرعة لأحسن تمشي عشان تضربها .

رفع حاجبه باستنكار قائلًا بتهكم :- وأنتِ مضربتيهاش ليه يا فالحة ؟

رفعت كفها بوجهه قائلة بتذمر :- دول كتير قوي، خمسة .

أردف بصدمة وذهول مبالغ فيه :- وه خمسة ! عنديكِ حق دة أنا حتى خايف أها .

قال ذلك وهو يراقب ملامحها الرقيقة، بينما قوست شفتيها بأسف قائلة :- خلاص متروحش، هيضربوك وهتتعور .

كاد يضحك بصوته كله على طفولتها البريئة تلك، ثم سار معها ليقتص لها من غريماتها .

بعد يومين استقلوا السيارة بعد أن حزموا أمتعتهم، تحت نظرات شقيقه الماكرة وزوجته الحاقدة.

حدث ما لم يتوقعوه وجعلهم كالتماثيل، عندما أخذت تلك الصغيرة تركض خلفهم وهي تصرخ من أعماقها، حتى كادت أن تتقطع أحبالها الصوتية، تنادي باسمه بأن لا يرحل، مسكها أبيها بعنف وهو يأمرها بأن تتوقف، ولكن لا حياة لمن تنادي، فما كان أمامه سوى أنه صفعها بكل قوته، صفعة فقدت الوعي على إثرها .

______________________________

يتبع…
لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا
لقراءة باقي حلقات الرواية اضغط على : (رواية وجلا الليل)

اترك رد

error: Content is protected !!