روايات

رواية وجلا الليل الفصل الثاني 2 بقلم زكية محمد

رواية وجلا الليل الفصل الثاني 2 بقلم زكية محمد

رواية وجلا الليل البارت الثاني

رواية وجلا الليل الجزء الثاني

وجلا الليل
وجلا الليل

رواية وجلا الليل الحلقة الثانية

نهضت منتفضة في مكانها إثر صياح والدتها العالي بأن تستيقظ، اعتدلت وردت عليها تحية الصباح، لتردها الأخرى ببرود وأمرتها بأن تنزل لتتناول وجبة الإفطار معهم، أومأت بنعم لها وأنها ستلحق بها، تنفست الصعداء عندما تذكرت أين وضعت أشيائها، فخافت أن تكون قد غفت دون أن تخفيها، والتي إن عثر عليها أحدهم سيبرحها ضربًا، أخفتها سريعًا بين ملابسها، لتخرج بعد دقائق ونزلت لتنضم لهم.

★★★★★★★★★★★★★

في مكان آخر فتح عينيه بتأفف إثر دعس الصغيرة بيديها لوجهه، هتفت بضجر :- يا أبا أثحى يلا، بلا كثل .

اعتدل وجلس في موضعه قائلًا بغضب مصطنع :- أعمل فيكِ إيه دلوك ؟

كورت وجهه بين كفيها الصغيرين وأردفت برجاء :- يلا قوم بقى، أنت ناثي إن النهاردة أچازة، وهتفثحني كتير !

ضيق عينيه قائلًا بسخط :- اه منك يا بتاعة مصلحتك أنتِ، ماشي أديني قايم أها .

أخذت تقفز على السرير بفرح بالغ قائلة بصخب :- يعيش يحيى يعيش .

هز رأسه بنفاذ صبر منها، ثم تركها ليدلف للمرحاض ويغتسل، بعد دقائق على مائدة الطعام، كان الصمت هو سيد الموقف قبل أن يقطعه “عامر” وهو يفجر قراره الذي اتخذه بوجوههم، وبصرامة دون رجعة :- إحنا خلاص هنندلى البلد تاني، هنصفي كل حاچة إهنة وهنعاود .

طالعه البقية بصدمة من حديثه الذي كان بمثابة الإعصار، الذي داهمهم بقوة، بينما هتف ” يحيى” بإحتدام مكبوت :- كيف دة يا أبوي، نعاود ليه ولمين ؟ أنت نسيت إياك ؟

نظر لابنه العنيد والتي شكلت القسوة خطوطًا بعينيه وتابع بهدوء :- اللي سمعته يا يحيى هنعاود ودة آخر كلام .

تحدث ابنه الثاني في الترتيب بإعتراض، وهو يحاول أن يجعل والده يعزف عن هذا القرار :- ليه بس يا أبا خلينا إهنة، إحنا ملناش قعاد إهناك، وكمان أشغالي إهنة، مقدرش أهمل المطرح .

تحدث بنبرة صارمة، وهو يطالعه بتهكم :- هنرچع يا خالد ودة آخر كلام .

زمجر بغضب مكبوت، وهو يغمغم بسخط بكلمات غير مفهومة، والتي لا شك أنها تعبر عن رفضه القاطع في العودة إلى هناك، بينما حدج الوالد ابنه الثالث قائلًا بسخرية :- وأنت يا مؤمن مسمعتش كلمة ليك يعني !

هتف بهدوء مغاير وهو يلوك الطعام بفمه بغيظ :- اللي تشوفه يا أبا، شوف الصُح وأعمله .

رفع حاجبه بدهشة قائلًا :- وه ! وافقت بسرعة إكدة ؟

أردف بهروب :- عادي يا أبوي كل المطارح واحد مهتفرقش .

هز رأسه بعدم اقتناع، بينما ضغط الأخير على كفه بشدة، يود أن يهرب من هنا بعد أن تم خداعه من قبلها، تلك التي غرزت في صدره إحدى شظايا الحب الزائف فأدمته، يا لها من ماكرة لعبت دورها جيدًا واتقنته، حتى صدقها هو ووقع في مصيدتها ليكتشف أنها تخدعه لتثير غضب الآخر، وتثير غيرته فيتحرك ويأخذ خطوة وفقًا لما ترسمه في أحلامها، وعندما نجحت أخبرته بكل جحود بأن كل ذلك كان مجرد لعبة، ورحلت ببساطة تاركة إياه يتجرع كأس قسوتها الحنظل، كان مجرد لعبة بين يديها، كم يود أن يقتل نفسه لسذاجته تلك، لذا لابد من الفرار لتطييب تلك الندبات، التي تنتشر في أرجاء قلبه حتى يعود لسابق عهده، وليس عند هذا الحد فقط، بل سيعود أقوى وسيقتل قلبه ويدفنه إن تطلب الأمر.
تحدثت أمينة برفق وتعقل :- العيال عنديها حق يا حچ، أدينا مرتاحين البال لكن لما نعاود الله أعلم هيحصل إيه .

أردف بصرامة وعدم رجعة فيما يقوله :- هي كلمة قولتها وهتتسمع، هتفرق إيه أسيوط من قنا كلاتها واحد .
( ملحوظة :- قعدوا في إسكندرية سنتين، ورجعوا واستقروا في أسيوط )

هزت رأسها بخوف مبهم قائلة :- ربنا يستر اللي تشوفه يا عامر اعمله .

تابع بتوضيح وعيناه تشع بتحد وإرادة لما هو مقدم عليه، وليفي بوعده الذي قطعه مسبقًا :- أنتوا ناسيين مصالحنا وأرضنا اللي في النچع، خلاص چات الساعة اللي مستنيها من زمان .

أردفت بحنين وهي تعود بذاكرتها للخلف :- إن چيت للحق الناس إهناك أتوحشتهم قوي، وكمان البت شمس زمانها كبرت وبقت عروسة .

توقفت عن ثرثرتها عندما لاحظت الاحتداد المرسوم على وجوههم، وأنها تأخذ مسارًا خاطئًا لذلك آثرت الصمت، وهي تعبث في الطعام بحرج، ومن ثم فتحت معهم موضوع آخر . بقلم زكية محمد

★★★★★★★★★★★★★★★

جلست بعد أن أعدت الطعام، وأخذت تلوكه بشرود وحزن مخطوط بعينيها، فقد انطفئت شعلة الشغف نحو الحياة منذ زمن، وما تلاقيه على يد والدتها وما تشاهده من أمور لا تعجبها، كل ذلك كان كافيًا لقتل كل الفرح والبهجة، فدروبها مظلمة ذات أسوار عالية محفوفة بالآلام، غير قابلة للسير بها وإن فعلت ستنزف قدماها وجعًا، وهي اكتفت فما عاد يوجد بها جزءًا إلا وذاق مرارة الوجع، تحسد شقيقتها التي تزوجت وهربت من ذلك البؤس المخيم على المنزل، الذي تفوح منه رائحة الكره، بعد أن تبخرت منه رائحة الحب والسعادة، كل شيء يتم بزيف وبناء على المصلحة أولًا، المال هو كل ما يهم وكأنه هو من سيمنحهم الحنان والدفء الأسري الذي يفتقدوه، كل يعمل على شاكلته لا يهتم بأحد سوى بنفسه، اعتصرت جفنيها بشدة وهي تسمع لحديث والدتها الذي ما يزيدها سوى وجعًا :- زميلتك زينة اتخطبت يا شمس .

عضت على شفتيها بشدة وهتفت ببرود :- ربنا يسهلها حالها يا أما .

مصمصت شفتيها بعدم رضا قائلة :- إمممم عقبال عدلك .

ابتسمت بخفوت وهي تشيح بأنظارها بعيدًا عنها، وتابعت طعامها تأكل بغيظ شديد، فهي تفهم ما ترمي إليه بنظراتها الساخرة، نهضت وأردفت بإختناق :- أنا رايحة المزرعة .

قالت ذلك ثم انصرفت بسرعة وهي تلهث من فرط المجهود، فهي تعاني من زيادة الوزن بشكل مفاجئ منذ سنوات، ولا تعلم سببها كما أنها رفضت الذهاب لإحدى الأطبة لإيجاد حل في إنقاص وزنها، وهذا ما يثير حنق أمها التي ترغب في تزويجها، ولكن بشكلها وملابسها الواسعة التي ترتديها لتخفي جسدها، يحول دون ذلك وكم هي ممتنة لذلك، لسبب تخفيه في قرارة نفسها ولم تفصح عنه، وصلت للمزرعة الخاصة بوالدها والتي توجد بالمنزل، بعد التطورات التي حدثت به، لتباشر عملها بعد أن تخرجت من كلية الطب البيطري منذ ثلاثة أشهر، فهنا تنسى كل همومها عندما تعمل.

بعد رحيلها أردفت ” زبيدة” بخفوت :- خوي رچب رايدك تفوت عليه في الدار .

هز رأسه بخفوت قائلًا :- ماشي، هفوت عليه بعد ساعتين إكدة، على ما أخلص اللي وراي .

أردفت بغل وهي تخرج حروفها من بين أسنانها من شدة ضغطها عليها :- وكيفها أرض أخوك، وصلت لوين دلوك ؟

أردف بغضب مكبوت وشعور القلق يجتاحه خشية أن يعود وينفذ كلماته التي قالها له مسبقًا، والتي حُفِرت بذهنه ولم ينساها إلى وقته هذا :- أديها قاعدة هتروح وين يعني .

تابعت بكره :- أقصد يعني وصلت لوين، عمال يشتري فيها عمال على بطال . بقلم زكية محمد

أردف بمبالاة :- ما يشتري واحنا مالنا !

قبضت على يدها بغل قائلة :- وأنت هتهمله يعلى عليك، وينفذ اللي قالهولك زمان ؟

جز على أسنانه بعنف، فهي بحديثها ذاك تعريه أمام نفسه وتابع بغلظة :- وإحنا اللي حدانا قليل !

ضيقت عدستيها بسخط قائلة :- مش قليل، بس يا خوفي ياچي اليوم اللي هيقعد فيه إهنة، ساعتها محدش هيقدر يوقف في طريقه واصل .

زجر بعنف وهو يضرب الطاولة بيديه بقوة، حتى تناثر بعض الطعام عليها مرددًا بغضب :- مين دة اللي ميقدرش يوقف في طريقه، دة أنا سالم اللي النچع كلاته بيعملي حساب .

ابتسمت بخبث لتحقيقها نواياها في إثارة حفيظته، ولتتأكد من أنه لن يميل نحو أخيه، واطمئنت أن ما زرعته طوال تلك السنوات، حصدته على أكمل وجه فأكملت بعبث :- معلوم طبعًا، دة أنت سيد الرچالة .

نهض وترك المكان بكمد جام، لتتعالى ضحكاتها بصخب وانتصار لتتذكر غريمتها، فتتحول عيناها إلى كتلتي نار من عقر جهنم تنذر بالشر، وأن القادم لا يبشر بالخير بتاتًا .

°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°

في مكان آخر حيث هو، يجلس بعنجهية اكتسبها من والدته، والتي لا ترفض له أي طلب، ولم لا ؟ وهو الابن الوحيد لديها، تدلله وإن طلب أثمن الأشياء تكون تحت قدميه، يمسك بهاتفه يعبث به كحال الكثير من الشباب، الذي لا توجد عليه رقابة فيفعل ما يحلو له، دون أن يخاف الله أو يراعوا عُرف المجتمع ومبادئه التي يُقام عليها.
تحدث أحدهم وهو يحدق بالهاتف بشراهة ذئب يود الانقضاض على فريسته :- يا أبوي شوفوا البت اللي كيف لهطة القشطة دي .

بينما تحدث أحدهم وهو يراقب حساب إحدى فتيات القرية :- البت ملك منزلة صورتها على الفيس، أباي لو الواحد يطولها، بس دي واعرة قوي ومش هينة مع حد .

نظر له “راضي” بسخرية وتعالي قائلًا :- وه ! دة عليك مش علي أنا .

طالعه بتحدٍ وردد بجدية :- يعني أنت رايد تقول انك تقدر توقعها ؟

هز رأسه بثقة قائلًا بخبث :- وأوقع أبوها كمان، أنت مستقل بيا ولا إيه ؟

أردف بمكر :- تراهن ؟

هز رأسه بتفكير ثم أردف بثقة :- أيوة موافق، وماله يا عادل .

أردف بنصر وهو يوجه حديثه للآخر :- خليك شاهد يا عبيد أها على الرهان دة .

ردد بعجرفة :- ألف جنيه منك لعشرة مني .

ردد بفرح وهو يتخيل حصوله على تلك الأموال بطمع :- وأنا موافق يا راضي يبقى استبينا .

ضيق عينيه بتساؤل قائلًا :- في وقت قد إيه رايد ؟

أجابه بخبث وقد قرر مدة قصيرة ممكنة؛ فيفشل الآخر ويفوز هو بالرهان :- شهرين .

مط شفتيه بعدم اكتراث وردد باستخفاف :- وماله ما يضرش، قبل الشهرين هتلاقيها كيف العروسة اللعبة في يدي .

ضحكوا بمرح عليه وعلى ثقته، فهي محصنة في مثل تلك الأمور، فكيف سيوقع بها ؟ لا يعلمون أنهم يخططون لما هو غير متوقع من الأساس.
صدح هاتفه بالرنين وما إن رأى المتصل، أردف على عجالة وهو يسير للخارج :- طيب هنبقى نكمل حديتنا وقت تاني يا رچالة، وراي مشوار مهم .

قال ذلك ثم تبخر أمام أعينهم، ولم ينسى قبل أن يذهب أن يضغط على إرسال طلب الصداقة، ليبدأ خطته وهي وقوع العصفور في مصيدة الصياد .

على الجانب الآخر، كانت بالمدرسة جوار صديقاتها وهي تتصفح الهاتف، لتفاجئ بإشعار منه فهتفت بصراخ وصدمة جلية :- إلحقوا يا عيال !

انتبهن لها فهتفت إحداهن :- وه ! إتچنيتِ إياك ! في إيه سرعتينا ؟

هندمت ملابسها بغرور قائلة :- مش هتصدقوا مين بعتلي طلب صداقة دلوك .

هتفت الأخرى بتهكم وهي ترفع حاجبها بحنق :- هيكون مين يعني، ظافر العابدين ؟

جعدت أنفها بضيق على مزاحها غير المحبب، وتابعت بكمد مكبوت :- لاه، راضي واد سالم الدهشوري .

شهقات عالية صدرت منهن، والذهول خيم عليهن مما تفوهت به، راقبت هي وجوههن بابتسامة ماكرة، لتردف إحداهن بصدمة :- بتقولي مين ؟

رددت وهي تتكئ على حروفها :- بقول راضي واد سالم، إيه ما خبرنهوش ؟

رددت بتهدج وهي لا تزال على حالتها :- لاه خابرينه زين، بس كيف دة يعني ؟ دة عمره ما عملها !

أردفت بتكبر :- وأها عِملها، هو أنا أي حد ولا إيه، دة أنا ست البنتة .

ضحكن عليها لتردف واحدة منهن :- ست البنتة اه، لكن الروس ما تتسواش واصل يا ملك .

أطلقت عيناها سهام حارقة نحوها ورددت بغصة مريرة بحلقها، ولكنها أظهرت القوة :- قصدك إيه بحديتك دة ؟ الغِنى غِنى النفوس، عمره ما كان بالفلوس .

تدخلت الأخرى لتهدئة الوضع حتى لا تتأزم الأمور :- خلاص يا ملك، أماني ما تقصدش حاچة، هنخسر بعضينا عشان سبب تافه زي دة !

أردفت بعزيمة وعصبية شديدة :- ماشي يا أماني، أنا هوريكِ هعمل إيه زين قوي .

قالت ذلك ثم انصرفت مسرعة، بينما وبخت الأخيرة الثانية بعتاب :- ينفع اللي قولتيه دة ؟

لوحت بيدها في الهواء بعدم اكتراث قائلة بتبرير :- وأنا قولت إيه يعني ؟ مش دي الحقيقة !

قوست شفتيها بضيق وتابعت ببعض الحدة :- بردو مكانش يصُح دة واصل منك .

أردفت بغيرة خفية :- يا أختي ما تتفلق، خليها تريحنا بدل ما هي شايفة روحها إكدة علينا .

ثم أضافت بسخرية قبل أن تغادر :- روحيلها يا أختي خليها تنفعك . بقلم زكية محمد

تركتها بسرعة لتردف ” بسمة” بخفوت قبل أن تلحق بالأولى :- ربنا يهديكِ يا أماني .©

^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^^

احتدت ملامحه وسيطر الغضب عليه قائلًا :- كيف يا خلف ؟ دة شقى عمرنا يروح إكدة في شربة ميا !

تقلصت ملامحه بسخط وردد بضيق :- وكان هنعمل ايه عاد، نستنى ونتحبس وناخد بقية عمرنا چواة السچن ؟ أعقل إكدة زرعة راحت تاچي غيرها .

تمتم بحنق :- كان لازمًا يعني يحرقوها !

زفر مرددًا بغيظ :- أيوة طبعًا، الحكومة چات، ولا عاوزنا نهملها وناخد فيها مؤبد ؟

ضغط على عصاه باحتداد جامح، وأردف بسخط :- خلاص يا خلف أنت هتقعد تقطمني !

أردف بهدوء في محاولة منه لتلطيف الأجواء :- روق يا عم سالم، تاچي إيه في بحر الفلوس اللي حداك .

اتسعت عيناه باحتدام جلي ونهره بحدة :- وه ! هتنق على اللي عندي ! وأنا أقول الحكومة طبت ليه .

ضحك بصخب وردد بمرح :- يا عم ما شاء الله، هحسد چوز إختي وأبو عيالها !

غمغم بضيق وعروقه تكاد تنفجر من شدة غضبه :- قول لروحك عاد، دة أنا هخليها تبخر البيت وتقص عروسة وتقعد تخزق عنيك دي مية مرة بالدبوس .

قهقه بصوته كله، فهو يخشى الحسد وأن تزول النعمة التي بيده، فتابع بروية :- خلاص يا عم خليها تعمل كيف ما رايدة، بس روق .

جلس وهو يحاول تنظيم أنفاسه المضطربة إثر انفعاله الزائد، ليردف بهدوء زائف :- تممت الحسابات بتاعة الأرض ؟

هز رأسه بموافقة قائلًا :- كله تمام .

صمت قليلًا ليأتي الطرف الآخر إتصالًا هاتفيًا، فرد عليه مع تباين في تعبيرات وجهه، التي أثارت فضول “سالم” لمعرفة من المتحدث، وعم يتكلمون ؟ سلط انتباهه على حروفه التي تخرج من فيه وهو ينتظر إنهاء المكالمة على أحر من الجمر، ليعرف ما يدور حاليًا ؟
ما إن انتهى أردف بلهفة :- مالك يا خلف وشك قلب إكدة ليه ؟ أوعى يكون في نصيبة تاني .

تنهد بعمق وهو في حيرة من أمره، أيخبره بذلك الأمر أم يتركه هكذا ؟ فاق من شروده على ندائه المتكرر، وإصراره على معرفة الأمر، فردد بحذر وترقب :- أصل يعني …في واحد معرفة أتصل بيا دلوك، وبيقول ….بيقول أن …

قاطعه بصياح وهدر بعنف :- قال إيه متبوظش اعصابي أكتر ما هي بايظة .

سحب شهيقًا طويلًا وردد بسرعة :- أخوك ناوي يهمل أسيوط ويعاود .

سكون خيم عليها فور نطقه بهذه الكلمات، ونزل عليه الخبر كالصاعقة التي أصابته بشلل بأطرافه، وكادت أن تودي بقلبه إلى الهاوية، أردف بصعوبة وهو يشعر بأن الأحرف ثقيلة على لسانه :- بتقول إيه يا خلف ؟ عامر هيعاود ؟

هز رأسه بتأكيد قائلًا :- أيوة راچع اللي كلمني قاعد حداه إهناك عنديه، وموكدلي على الحديت وكلاتها يومين تلاتة وتلاقيه طابب فوق راسك .

جلس بإهمال وهو يضع يده على رأسه، يشعر بدوار شديد يعصف به دون هوادة، فكابوسه سيتمثل أمامه في خلال بضعة أيام، بعد أن ظن أنه تخلص منه إلا أنه عائد وبقوة، ودق أجراس الخطر بعقله ينذره بأن الآتي لن يكون سهلًا أبدًا .

انتفض فجأة في مكانه، وغيم الشيطان على أفكاره، لتتبدل لمعة عينيه إلى الحقد والنار مشتعلة بداخلهما، بهما وعيد وشر إن أقترب منه أو فعل أي شيء يمسه بالضر .

★★★★★★★★★★★★★★★

في صبيحة اليوم التالي، يتناول طعامه بهدوء تام على غير عادته، مما أثار تعجب الآخرين من صمته، مالت ابنته الصغرى على أذن شقيقتها قائلة بدهشة وهمس :- هو أبوي ماله ساكت إكدة ليه مش بعادته يعني !

هزت كتفيها بعدم معرفة وهتفت بهمس مماثل :- مخبراش، أها قدامك أسأليه .

هتف “راضي” بهدوء :- أبوي كنت رايد خمسة آلاف چنيه إكدة رايدهم في مُصلحة .

تدخلت “زبيدة” قائلة بلهفة :- من عيوني يا ولدي دلوك تكون في يدك .

قبل يدها بخبث قائلًا :- ربنا يخليكِ ليا يا أما .

نظرت لزوجها والذي يبدو أنه حاضر بجسده فقط، وإنما عقله في مكان آخر بعيد كل البعد عنهم، هتفت بصوت عال لينتبه لها :- مالك يا أخوي إيه اللي شاغلك إكدة، ومخليك في دنيا تاني ؟

هز رأسه بنفي قائلًا باضطراب :- لاه مفيش، في مشكلة في الأرض إكدة .

أومأت بعدم اقتناع، بينما نظر لهم جميعًا، وقرر اخبارهم بالأمر كي لا تصيبهم الصدمة عندما يجدوهم فوق رؤوسهم :- كنت رايد أقولكم موضوع إكدة . بقلم زكية محمد

حدجوه بانتباه حاد، بينما تابع هو بصقيع :- أخوي عامر هيعاود هو ووِلده إهنة تاني .

علت دقات قلبها بصخب، وبصقت الطعام من ثغرها في وجه أخيها الذي نهض من مكانه صارخًا فيها بغلظة وإزدراء مما فعلته، لم تنتبه لحديثه وإنما كل ما يرن بعقلها جملة والدها، والتي بمثابة ترياق البعث الذي أعاد لروحها الحياة من جديد، أبعد كل هذه السنوات ستلتقي به ؟ سنوات لم تنجح في أن تواري ذكرياته تحت الثرى، ولم تنجح في أن تنسيها هيئته التي كان عليها آخر مرة وكأنه ماثلًا أمامها الآن، لم تنسى قلب الطفلة الذي تعلق به منذ صغرها، تشعر بالحنين لتلك الأيام وبداخلها حماس لمعايشتها مرة أخرى . ©

تطلعت لها ” نورا ” بخبث، وهتفت بتهكم :- معلش يا راضي أصلها مصدومة من الخبر الشين دة .

قالت ذلك وهي تركلها بقدمها من تحت الطاولة، لتنتشلها من غيبوبتها السعيدة تلك، لتردف بذعر :- حقك علي يا راضي مقصدش .

غمغم بسخط ودون مراعاة لشعورها :- خفي وكل هبابة عشان تاخدي بالك المرة اللي چاية .

اغتصبت شبح ابتسامة مرتجفة على ثغرها ورددت بوجع :- المرة اللي چاية يا واد أبوي .

أنهت كلماتها ثم صعدت للأعلى، حيث غرفتها والتي سرعان ما نست إهانة شقيقها لها، وتذكرت فقط ما هتف به والدها، دون أن تستمع لباقي الأخبار التي تخصهم، والتي بالطبع ستنقلها لها أختها.

حفل غنائي صاخب يُقام بين أضلعها مذ أن علمت بعودتهم، وأخيرًا أشرقت شمسها التي غابت منذ أن رحل عنها، باتت أيامها ظلام حالك لا يوجد حتى قمرًا لينير عتمة قلبها، أما الآن فقد سطعت شمسها لتضيء دروبها من جديد، ستعود البهجة لتزين حياتها بعد هذا السعير الذي كانت تعيش فيه، ليبقى النجم الساطع في سمائها البائسة .
اتسعت عيناها بعدم تصديق وكأنها في حلم، يا لها من سعادة غامرة ملئت سائر خلاياها، ما عادت تشعر بالألم فبرجوعه كل شيء تم محوه لتتبقى ذكرياتهم فقط، ابتسامة شقت ثغرها لم تزورها طويلًا، ودت لو تصرخ بصوتها كله ليس حزنًا وإنما فرحًا فستتحقق أمنيتها أخيرًا .
توقفت فجأة عندما طالعت هيئتها في المرآة، لتكون الصفعة التي أعادتها للواقع، سرعان ما ذمت شفتيها بحزن وكادت أن تتساقط دموعها، إلا أنها شجعت نفسها بأنه لن يكون فكره سطحيًا إلى هذا الحد، جلست وهي تهز رأسها بنعم إنه ليس كذلك بالطبع.
قاطع تفكيرها دلوف شقيقتها، والتي نظرت لها بغموض فهي تعلم كل شيء بشأنها، هتفت بمكر :- طبعًا الفرحة مش سيعاكِ لما عرفتي أنهم راچعين .

هربت من أنظارها العابثة المصوبة نحوها، وهتفت بنبرة مهزوزة :- وه ! عادي يعني، قومي يلا نروح نساعد الچماعة تحت .

ضحكت بصخب قائلة :- اهربي إكدة، عنيكِ فضحاكِ .
زاغت أنظارها وقد اصطبغت وجنتيها الممتلئتين بحمرة قانية، ونهضت تفر من حديثها قائلة :- أنا نازلة وسيباكِ، بلا حديت ملهوش عازة .

وما إن خطت باب غرفتها، رددت بتشفي وخبث :- مستنية قوي أشوف بت واد عمي اللي بيقولوا عليها دي، بيقولوا كيف القمر طالعة لأمها .

ظلت كالتمثال في محلها، وكانت كلمات الأخرى بمثابة السكين الحادة التي طعنتها بكل قوتها في قلبها فصار ينزف بغزارة، شعرت بدوار عاصف يجتاحها دون رحمة أو رأفة بحالها، باتت قدماها كالهلام فسقطت أرضًا، ترثي ذلك الحلم الذي كانت تغرق فيه منذ لحظات، فيبدو أن لياليها المظلمة لن تغادرها أبدًا، وكأنها تحالفت ضدها لتتوعد لها بالمزيد من الأسى .

يتبع…
لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا
لقراءة باقي حلقات الرواية اضغط على : (رواية وجلا الليل)

اترك رد

error: Content is protected !!